مسار حجّ جديد يتتبع خطى امرأة مسيحية من القرن الرابع زارت الأراضي المقدسة، ويقدّم للأردنيين والسيّاح على حد سواء تجربة مشي تأملية.
هيذر م. سورلز
بعد أن أوقف أوسكار كوشيبي سيارته عند بوابة الدخول إلى جبل نيبو، ترجلنا أنا وصديقتي وهو من السيارة، وحمل كل منا حقيبته على ظهره. كان صباح نيسان صافياً، وبعد موسم من الأمطار الغزيرة، اكتست الجبال والوديان المحيطة بنا بغطاء كثيف من النباتات، وتناثرت بينها الأزهار البرية.

كنا نخطط للسير في الجزء الأول من درب إيجيريا، وهو مسار حجّ يمتد على مدى يومين لمسافة 40 كيلومتراً، ويتتبع الطريق الذي سلكته امرأة مسيحية بيزنطية من منطقة غاليسيا في إسبانيا عندما زارت الأراضي المقدسة في أواخر القرن الرابع الميلادي.
أوسكار، وهو أردني مسلم من أصول شركسية، أمضى سنوات طويلة من حياته في إسبانيا، حيث سار على امتداد طريق سانتياغو – Camino de Santiago الذي يبلغ طوله نحو 800 كيلومتر. وبعد عودته إلى الأردن عام 2018، تعرّف إلى إيجيريا من خلال والده، الذي أهداه نسخة من كتابها يوميات رحلة حج، وهو أحد أقدم السجلات المعروفة للحج المسيحي.
وقال كوشيبي « بعد أن أثارت يومياتها اهتمامي، تصورت مساراً حديثاً للمشي يتتبع خطى إيجيريا القديمة، ويمتد من الأردن إلى القدس. ولم أرَ هذا الدرب مجرد رحلة سير جسدية، بل أداة عملية للحوار بين الثقافات والتفاهم بين الأديان.»
واعتماداً على كتابات إيجيريا، رسم كوشيبي مسار الطريق من جبل نيبو نزولاً باتجاه تل الحمّام، ثم وصولاً إلى موقع المعمودية.
وفي عام 2025، افتتحت هيئة تنشيط السياحة الأردنية رسمياً درب إيجيريا بعد استثمار مليون دينار أردني في إنشاء المسار. وبعد فترة وجيزة من إطلاقه، جرت توأمة درب إيجيريا رسمياً مع طريق سانتياغو، في خطوة عززت الروابط السياحية بين الأردن وإسبانيا.
في اليوم الذي سرنا فيه على الدرب، بدأت مجموعتنا الصغيرة بالنزول على سفح جبل نيبو، متجهة نحو تجمع من أشجار الكينا التي تشير إلى موقع عيون موسى.

التقطت صوراً لأزهار الشوك الأرجوانية وهي تتفتح كالألعاب النارية، وقد انسجم لونها مع الأرجواني الدخاني للصخور الغنية بالحديد في المنحدرات البعيدة.
وعند الينابيع، تذوقنا الماء وتأملنا نباتات سرخس كزبرة البئر، قبل أن نبدأ الصعود إلى الجبل التالي.
وطوال الطريق، كان أوسكار يروي لنا قصصاً من الكتاب المقدس، ويتحدث عن رؤيته لهذا الدرب بوصفه مساحة للحوار بين الأديان والعيش المشترك بسلام.
وفي غرفتين للصلاة مبنيتين على هيئة أبنية طينية على امتداد مسارنا، توقفنا للراحة. فتحت هاتفي وقرأت أولاً مقطعاً من سفر التثنية، ثم المزمور 84، وهو ترنيمة تتحدث عن الحج.
كنت بذلك أحاول أن أقتدي بإيجيريا؛ ففي روايتها التفصيلية عن رحلاتها إلى المناطق الواقعة خارج القدس، كانت هذه الرحالة الجريئة تتوقف باستمرار للصلاة، وإنشاد أحد المزامير، وقراءة الرواية الكتابية المرتبطة بالموقع الذي كانت تزوره.
واصلنا السير عبر حقول الشعير حيث كانت طيور القبرة تغرد، ومررنا بأطلال كنيسة، واستراحة قديمة للحجاج، وأبراج مراقبة رومانية متداعية.
ومع مرور الكيلومترات، بدأت طبيعة الأرض تتغير تدريجياً؛ من مساحات مفتوحة خصبة إلى صخور وعرة تتخللها خطوط معدنية بألوان البرتقالي والأرجواني والأحمر.

وكانت بقع الزهور الصحراوية القوية التي تنمو بين الصخور تمنح عينيّ المتعبتين من وهج الطريق شيئاً من الراحة.
وعلى مقربة من بلدة الرامة الحديثة، جاء أحد أصدقاء أوسكار لاصطحابنا، ونقلنا بسيارة جيب إلى تل الحمّام.
ومن أعلى الموقع الأثري الضخم، حيث ما تزال قوالب الطوب الطيني التي يعود عمرها إلى آلاف السنين واضحة المعالم، نظرنا إلى الخلف فرأينا كنيسة جبل نيبو المبنية من الحجر الجيري تعلو المرتفعات خلفنا.
ومن حولنا امتدت حقول الذرة والمزارع التي يواصل عبرها درب إيجيريا مساره في يومه الثاني باتجاه المغطس، حيث يستعد الأردن بالفعل لإحياء ذكرى مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح.
وقال كوشيبي: « بحلول عام 2030، يهدف المشروع إلى تحويل هذا الكامينو إلى درب دائم للتسامح بين الأديان والمحبة بين الثقافات. وهو تذكير بأن الرسالة الأساسية هنا، في المكان الذي بدأ فيه الإيمان، ما تزال رسالة عالمية: الله محبة.» *هيذر سورلز كاتبة إبداعية وصحفية أميركية، مؤلفة كتاب Beyond the Jordan ( « ما وراء الأردن » )، وهو عمل يجمع بين السيرة الذاتية والمقالات، تروي فيه تجربة عقد كامل عاشته في الأردن والأراضي المقدسة.








