يفتح في علامة تبويب جديدة

فيجي والأردن علاقات متنامية وفرصة قوية للشراكة


رلى السماعين

أنوفيا-عمان  في عالمٍ تتشكل ملامحه بفعل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تظل الدبلوماسية والسياحة والتبادل الثقافي أدواتٍ فاعلة لبناء الجسور بين الدول، وفي مقابلة حديثة مع مجلة أنوفيا استعرض القنصل الفخري لدولة فيجي في الأردن موسى البجالي ملامح العلاقة المتنامية بين البلدين وآفاق تطويرها في المرحلة المقبلة.

واستهلّ الحديث بالإشارة إلى السياق الإقليمي الأوسع، حيث أكد أن الأردن يواجه، كغيره من دول المنطقة، تحديات جيوسياسية تفرض أحياناً حالة من القلق لدى المواطنين، غير أنه شدّد على متانة المجتمع الأردني وثقته بحكمة القيادة الهاشمية في إدارة شؤون الدولة.

وقال “على الرغم من الاضطرابات الإقليمية التي قد تثير القلق أحياناً لدى المواطنين، فإن الأردنيين ما زالوا يثقون بحكمة القيادة الهاشمية وخبرتها في إدارة شؤون الدولة. كما تظل مؤسسات الدولة، بما فيها القوات المسلحة الأردنية، ثابتة في حماية المملكة وصون استقرارها.”

ومن السياق الإقليمي، انتقل الحديث إلى منطقة المحيط الهادئ، وتحديداً إلى جمهورية فيجي، وهي دولة لا تزال غير معروفة إلى حدٍ كبير في منطقة الشرق الأوسط رغم مكانتها العالمية كوجهة سياحية مميزة.

تقع فيجي في المحيط الهادئ بين أستراليا ونيوزيلندا، وقد نالت استقلالها عام 1970، وهي عضو في دول الكومنولث. تاريخياً، شكّلت الجزر مركزاً للاستثمارات الزراعية البريطانية، ولا سيما في إنتاج السكر، وخلال الحقبة الاستعمارية، جرى استقدام عمال من الهند للعمل في مزارع قصب السكر، وهو ما أسهم في تشكيل التركيبة السكانية المتنوعة التي تميّز المجتمع الفيجي اليوم.

لمشاهدة المقابلة كاملة

أشار البجالي إلى أن المجتمع الفيجي يعكس نسيجاً اجتماعياً متعدداً يتكوّن أساساً من السكان الأصليين، ومواطنين من أصول هندية، إضافة إلى مجتمعات ذات جذور أوروبية وأسترالية، كما ينعكس هذا التنوع في المشهد الديني، حيث تُعد المسيحية الديانة الأكثر انتشاراً، تليها الهندوسية ثم الإسلام.

وأوضح القنصل الفخري لمجلة أنوفيا أن فيجي تتكون جغرافياً من أرخبيل يضم 332  جزيرة، تشتهر بشواطئها البكر وشعابها المرجانية وغناها بالحياة البحرية، وهو ما جعلها وجهة مفضلة لقضاء العطلات، خصوصاً بالنسبة للسياح القادمين من أستراليا وبريطانيا.

“من الناحية السياحية، تُعد فيجي من أجمل الوجهات في العالم، لكنها لا تزال غير معروفة نسبياً في منطقة الشرق الأوسط، ويرجع ذلك في جزء كبير منه إلى بُعد المسافة، إذ قد تستغرق الرحلة إليها أكثر من عشرين ساعة.”

وتقوم السياحة في فيجي أساساً على السياحة البيئية وسياحة الشواطئ وسياحة المغامرات، حيث توفر الجزر أنشطة متنوعة تشمل الغوص واستكشاف الحياة البحرية ومجموعة واسعة من الرياضات المائية.

كما ولفت القنصل إلى أن بعض النقاشات العالمية الأخيرة حول القدرة البيئية على الصمود أشارت إلى أن موقع فيجي الجغرافي البعيد قد يجعلها أقل عرضة للتأثر المباشر بتداعيات أي صراع، وهو أمر يعكس عزلتها الطبيعية في عمق المحيط الهادئ.

غير أن البجالي يرى أن التركيز الحقيقي لا ينبغي أن يكون على البعد الجغرافي بقدر ما ينبغي أن ينصبّ على الفرص المتاحة، ولا سيما إمكانية تعزيز التعاون السياحي بين الأردن وفيجي.

ففي الوقت الذي تقدّم فيه فيجي مناظر ساحلية خلابة وتجارب سياحية قائمة على الطبيعة والجزر، يقدّم الأردن بدوره سردية سياحية مختلفة لكنها لا تقل جاذبية وأهمية.

“يمتلك الأردن ثراءً استثنائياً في مجال السياحة الدينية. فهذه المنطقة، بلاد الشام، هي مهد الديانات الإبراهيمية، حيث تمتد جذور المسيحية والإسلام واليهودية في عمق تاريخها، وهو ما يمنح الأردن مكانة روحية وثقافية فريدة تعزز من قيمة منتجه السياحي.”

وأضاف أن الثروة الأثرية التي يتمتع بها الأردن تعزّز هذه السردية الحضارية، إذ يصفه كثير من المؤرخين وعلماء الآثار بأنه متحف مفتوح في الهواء الطلق، لا تزال طبقاته الحضارية تنتظر المزيد من الاكتشافات.


“الأردن في جوهره حديقة واسعة من الكنوز الأثرية المدفونة تحت الأرض. إن عمليات التنقيب وتطوير هذه المواقع تحتاج إلى وقت وخبرات وإمكانات مالية كبيرة. وربما لن نشهد جميع هذه الاكتشافات في جيلنا، لكن أعمال التنقيب المستقبلية ستكشف بلا شك عن مزيد من عمق التاريخ الأردني.”

دعا البجالي إلى تعزيز التعاون المؤسسي بين القطاعين السياحيين في البلدين بما يفتح آفاقاً جديدة للشراكة، و وجّه دعوة إلى هيئات السياحة ومؤسسات الاستثمار والقطاع الخاص لاستكشاف فرص التعاون مع فيجي من خلال الاتفاقيات الثنائية وبرامج التبادل السياحي والمبادرات الترويجية المشتركة.

وتُعد فيجي نموذجاً لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على السياحة، إذ يرتبط نحو 35 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بشكل مباشر بهذا القطاع، إلى جانب قطاعات تقليدية مثل إنتاج السكر والغابات والثروة السمكية.

ومع ذلك، يرى القنصل الفخري أن فيجي لا تزال بحاجة إلى تعزيز حضورها التعريفي في منطقة الشرق الأوسط.

“أعتقد أن حكومة فيجي يمكن أن تستفيد من زيادة التعريف بالبلاد في الشرق الأوسط، فكثير من الناس في هذه المنطقة لا يعرفون بعد جمال الجزر والفرص التي توفرها.”

وعلى صعيد العلاقات الدولية، أكد البجالي أن الدبلوماسية تظل الركيزة الأساسية في العلاقات بين الدول.

قال بأن “الدبلوماسية هي أساس العلاقات السلمية بين الدول، فبدونها قد تتصاعد النزاعات في مناطق عديدة من العالم. ويتمثل دور السفراء والبعثات الدبلوماسية في تخفيف التوتر وتعزيز التعاون بين الشعوب.”

ويستضيف الأردن حالياً القنصلية الفخرية لدولة فيجي بدلاً من سفارة كاملة، ويرجع ذلك في الأساس إلى اعتبارات مالية، غير أن وجود القنصلية يعكس في حد ذاته عمق العلاقة بين البلدين.

وأوضح البجالي أن طلب افتتاح القنصلية جاء من حكومة فيجي، بدعم وتشجيع من جلالة الملك عبدالله الثاني، في إطار العلاقات التي تطورت بين البلدين عبر مشاركتهما المشتركة في مهام حفظ السلام الدولية.

وأشار إلى أن القوات الأردنية والفيجية خدمت معاً ضمن قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ولا سيما في منطقة الجولان، كما أن القنصلية الفخرية في عمّان تقدّم خدمات للجنود الفيجيين المنتشرين هناك على خط وقف إطلاق النار بين سوريا وإسرائيل.


“هناك مجالات عديدة يمكن من خلالها توسيع التعاون بين الأردن وفيجي، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي أو السياحي.”

وعلى المستوى المجتمعي، أشار إلى وجود أوجه تشابه ثقافية بين المجتمعين.


“العائلة الفيجية مترابطة بعمق، تماماً كما هي العائلة الأردنية”، مضيفاً أن “الروابط العائلية تبقى قوية حتى مع تقدم العمر ووصول أفراد العائلة إلى مرحلة الأجداد.”

كما أشار إلى أن الضيافة تمثل سمة مشتركة بين الثقافتين.


“الثقافة الأردنية معروفة بحسن استقبال الضيوف وإكرام الزائرين، والفيجيون يتمتعون بروح ضيافة مشابهة.”

وتوفر فيجي أيضاً بيئة استثمارية ميسّرة نسبياً، إذ أوضح القنصل الفخري أن إنشاء المشاريع في الجزر لا يتطلب بالضرورة رؤوس أموال ضخمة.


“في كثير من الحالات يمكن البدء باستثمارات بميزانيات متواضعة نسبياً. وأعرف عدداً من رواد الأعمال الذين بدأوا مشاريع صغيرة هناك وحققوا نجاحات كبيرة.”

وفي الوقت نفسه، تحافظ فيجي على سياسات صارمة فيما يتعلق بمنح الجنسية. فعلى خلاف بعض الدول التي تمنح جوازات سفر مقابل مساهمات مالية فقط، تشترط فيجي وجود استثمار حقيقي وإقامة طويلة قبل النظر في طلبات التجنيس.

ولا تزال حركة السياحة بين الأردن وفيجي محدودة لكنها تحمل مؤشرات واعدة.

ففي حين لا يوجد عدد كبير من المواطنين الفيجيين المقيمين في الأردن، فإن أفراد قوات حفظ السلام الفيجيين المنتشرين في الجولان يزورون الأردن بانتظام لأغراض لوجستية.

وفي المقابل، بدأ عدداً متزايداً من الأردنيين باكتشاف فيجي كوجهة لقضاء شهر العسل.

وقال البجالي مبتسماً “في الأشهر الأخيرة أصدرنا تأشيرات لعدد من الأزواج الأردنيين المتوجهين إلى فيجي لقضاء شهر العسل”، مضيفاً أنهم ” عادوا سعداء جداً بتجربتهم، وبالنسبة لكثير منهم كانت رحلة العمر.”

ولتعزيز التعريف بالوجهة السياحية، تدير القنصلية منصة إلكترونية تستقبل استفسارات من مسافرين من مختلف أنحاء العالم.

ورغم أن جمهورية فيجي تمتلك سفارات في القاهرة وأبوظبي، فإن القنصلية الفخرية في الأردن أصبحت واحدة من أكثر نقاط المعلومات تواصلاً في المنطقة.

ويرى البجالي أن الطريق إلى المستقبل واضح، ويتمثل في تعزيز التواصل الدبلوماسي وتطوير التعاون السياحي وتكثيف التبادل بين الشعوب، بما يحوّل المسافة الجغرافية الشاسعة بين الأردن وفيجي إلى فرصة حقيقية للشراكة.

ومع استمرار تطور السياحة العالمية، قد تكتسب مثل هذه الشراكات أهمية متزايدة، إذ تربط بين زرقة المحيط الهادئ وصفحات التاريخ العميقة في أرض المشرق.

وختم البجالي بالقول “في النهاية، ما يربط بين الدول ليس المسافة بل الفهم المتبادل، وتبقى الدبلوماسية هي الجسر الذي يصل بينها.”