ربا زيد
مختصة في الصحة الشمولية والتشافي الذاتي
ليس من السهل أن يجلس الإنسان مع نفسه بصدق، وأن يهدأ بما يكفي ليسمع صوته الداخلي وسط ضجيج من الأفكار، ويدرك تلك الفجوة الصامتة بين أناه ونفسه. إنها ليست فجوة تُرى بالعين، لكنها تُشعر في العمق، صراعٌ خفي بين ما يرغبه القلب وما يفرضه العقل، بين اندفاع الأنا ورغبة النفس في الأمان.
كل إنسان يعيش حربًا داخلية لا تُعلن على الملأ. أحيانًا ترغب الأنا في التقدّم، بينما النفس تخاف من التغيير.
ترغب الأنا بالظهور والتميّز، بينما النفس تبحث عن الطمأنينة والقبول. قد تتجلى هذه الحرب حين ترغب بخوض تجربة جديدة، لكن صوتًا داخليًا يهمس لك: ستفشل! أو عندما تودّ التعبير عن رأيك، لكنك تصمت خوفًا من الرفض أو المواجهة.
هذه ليست مجرد تردّداتٍ عابرة، بل صراع بين رغبة الأنا في الإنجاز وسعي النفس في الحماية. الأنا تطمح للنموّ، أما النفس تبحث عن الأمان. وكلاهما جزءٌ منك، لا عدوّان، بل جناحان يحتاجان إلى التوازن كي تطير.
فجناح الأنا هو الجزء الواعي والمنطقي منك؛ الذي يخطط، ويقرّر، ويريد إثبات ذاته. أما جناح النفس فيمثّل العالم الداخلي اللاواعي، حيث تُخزَّن المشاعر القديمة والمخاوف والذكريات التي تشكّل سلوكك دون وعيٍ منك. وعندما تتصادم رغبات الأنا مع مخاوف النفس، يحدث ما يُعرف بالانقسام الداخلي، فنشعر بالحيرة والارتباك ونفقد شغفنا دون أن نعرف السبب.
يمكن إيعاز أسباب هذه الفجوة إلى مجموعةٍ من العوامل التي تتسلل إلى حياتنا دون أن ننتبه إليها. فقلة الوعي الذاتي تجعلنا لا نلاحظ هذا الصراع أصلًا، فنعيش في حالةٍ من الانفصال الداخلي تتسع بصمتٍ مع مرور الوقت.
كما أن الخجل من مواجهة الذات يدفعنا إلى تجنّب النظر في أعماقنا خوفًا من اكتشاف ضعفٍ أو عيبٍ لا نريد الاعتراف به. ويأتي الانشغال الدائم ليزيد الطين بلّة، إذ تسلبنا سرعة الحياة قدرتنا على الإصغاء لأنفسنا بصدق.
أما التربية والبرمجة القديمة فقد علّمتنا أن نُرضي الآخرين على حساب أنفسنا، وأن نُسكت صوتنا الداخلي كي لا نُغضب المجتمع أو نخرج عن المألوف. وهكذا يجد الإنسان نفسه في حربٍ باردة مع ذاته؛ يحاول أن يبدو بخير خارجيًا، بينما ينهار داخليًا ببطء، بين أنا تحاول الصعود ونفس تخاف من الارتفاع.
وهنا يأتي دور الصحة الشمولية، في هذا الصراع، تظهر كجسرٍ يربط بين الأنا والنفس، لتعيد للإنسان توازنه الداخلي. فهي لا تقتصر على علاج الجسد المتعب فحسب ، بل تمتد لتشمل الإنسان في كل أبعاده: الجسدية، والعقلية، والنفسية، والاجتماعية، والروحية.
الصحة الشمولية لا تعالج الأعراض الظاهرة فحسب، بل تبحث في الجذور: ما الحدث الذي زرع الخوف؟ ما التجربة القديمة التي ما زالت تتحكم بي اليوم؟
من خلال جلسات الوعي، والتأمل، والتنفس العميق، نعيد فتح قنوات التواصل بين الأنا والنفس. يصبح الحوار الداخلي أكثر انسجامًا، وتتحول الحرب إلى صلح، فنبدأ بالعيش من مركز الوعي والقبول بدلًا من الانقسام والرفض.
أنا ونفسي، ليست معركة يجب أن تربحها جهةٌ على حساب الأخرى، بل علاقة تحتاج إلى أن تُفهم وتُحتَوى. فحين تتصالح الأنا مع النفس، يصبح الإنسان في حالةٍ من السلام الداخلي، والتسليم، والصفاء النفسي، تنعكس عليه قوةٌ وثباتٌ وثقة، وتتجلى في إنجازه وتوازنه في مختلف جوانب حياته.
فشعور الرضا عن الذات ما هو إلا تجسيدٌ لتناغمٍ ناعمٍ بين هذين العالمين. ليولد داخلك اتزانٌ وتكامل حقيقي بين ما تشعر به وما تختاره.


