«وقد نجحت الأردن ببراعة في توظيف مقوماتها التاريخية بوصفها أدوات للدبلوماسية الثقافية.»
بقلم: روميسا أ. موهيمين
هناك وجهات لا تكتفي بأسر العين بمناظرها الخلابة، وهناك أيضًا مرتكزات تاريخية تعيد، بهدوء، تشكيل الطريقة التي نفهم بها الحضارة الإنسانية، والتراث المشترك، والدبلوماسية الحديثة. وتنتمي البتراء إلى الفئة الثانية. فهي تختبئ خلف الجدران الملتوية والشاهقة لـالسيق، وتتكشف من بين منحدرات الحجر الرملي الوردي في جنوب الأردن. وليست البتراء مجرد أطلالٍ أثرية، بل هي درسٌ حيّ في الصمود، والبنية التحتية الاستراتيجية، والإبداع البشري.
بصفتي مسافرة، لطالما أعجبت بالبتراء من خلال الصور الفوتوغرافية. إلا أنني، عندما وقفت أمام الواجهة المهيبة لـالخزنة، أدركت أن أية صورة لا يمكنها أن تنقل حضورها الآسر على حقيقته. فالصمت، والهيبة، وروعة الحرفية المعمارية القديمة، تحول الزيارة على الفور من نشاطٍ ترفيهي إلى لقاءٍ عميق مع التاريخ نفسه.
غير أنني، عندما نظرت إلى البتراء من خلال العدسة المزدوجة التي تجمع بين كوني قيادية في قطاع الأعمال السياحية ومحللة جيوسياسية، رأيت فيها ما هو أبعد بكثير من مجرد معلم سياحي يزين البطاقات البريدية.
ملتقى الجغرافيا السياسية في العصور القديمة
قبل وقت طويل من رسم شبكات الخدمات اللوجستية الحديثة وممرات التجارة، شيّد الأنباط إمبراطورية تجارية مزدهرة في واحدة من أكثر البيئات الصحراوية قسوة في العالم. ولم تكن البتراء مجرد مدينة، بل كانت مركزًا إقليميًا بالغ التطور يربط بين الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.
وبصفتي محللة، أجد أن براعة الأنباط في إدارة الموارد تُعد جانبًا بالغ الإثراء. ففي بيئة قاحلة، نجحوا في إنشاء أنظمة معقدة لحفظ المياه، والسدود، والقنوات المائية. وكان ذلك يمثل أحد أقدم أشكال تطوير البنية التحتية المستدامة وأكثرها قدرة على الصمود. ولم يؤمّنوا طرق التجارة من خلال الهيمنة العسكرية وحدها، بل عبر التحالفات الاستراتيجية، والتكامل الاقتصادي، والتمازج الثقافي.
وأثناء التجول في الموقع الأثري، يستطيع الزائر أن يقرأ هذا الكتاب المفتوح للحضارة في كل نصبٍ منحوت؛ حيث تمتزج العناصر المعمارية اليونانية والرومانية والمصرية بانسجام مع الطراز النبطي. وهو تذكير خالد بأن النفوذ الإقليمي المستدام يُبنى على الثقة بالهوية الثقافية والازدهار الاقتصادي المشترك.
السياحة بوصفها ركيزة استراتيجية وأداة للقوة الناعمة
من منظوري كعضو في مجلس إدارة شركة تعمل في قطاع السفر والسياحة، لا يمكن تقييم نجاح السياحة بمجرد عدد الوافدين أو عدد ليالي الإقامة. فالأثر الحقيقي يُقاس بمدى نجاح الدولة في تحقيق التوازن بين الحفاظ على التراث، وتمكين المجتمعات المحلية، والاستثمار في البنية التحتية، وتقديم تجارب سياحية أصيلة. ويُعدّ النهج الذي تتبعه الأردن في إدارة البتراء نموذجًا متميزًا لهذا التوازن.
وعلاوة على ذلك، تُعدّ التراث الثقافي، في العلاقات الدولية المعاصرة، أداةً مؤثرة من أدوات القوة الناعمة. فكثيرًا ما يُتناول الشرق الأوسط في وسائل الإعلام العالمية من خلال منظور ضيق، وغالبًا ما يكون مستقطبًا، يركز على التوترات الجيوسياسية. إلا أن السفر في الأردن يقدم رواية مغايرة وقوية، تقوم على الاستقرار الإقليمي، والإرث العلمي العريق، والاستمرارية الحضارية غير المنقطعة.
وقد نجحت الأردن ببراعة في توظيف مقوماتها التاريخية بوصفها أدوات للدبلوماسية الثقافية. فكل زائر يسير في أروقة البتراء ويختبر دفء الضيافة الأردنية الأصيلة يغادر وهو يحمل، بصورة غير رسمية، دور السفير لبلاده. وفي الوقت الذي قد تواجه فيه القنوات الدبلوماسية الرسمية أحيانًا حالة من الجمود، فإن التقدير المشترك للتراث الإنساني يساهم في بناء جسور راسخة من التفاهم المتبادل.
نموذج جديد للسفر
لقد عززت رحلتي في الأردن إيماني بأن السياحة المسؤولة ليست مجرد محرك اقتصادي مهم، بل هي أيضًا استثمار استراتيجي طويل الأمد. فهي صناعة تحول الفضول إلى تعاطف، وتستبدل الافتراضات الجيوسياسية بالفهم المباشر القائم على التجربة.
وبينما كنت أشاهد غروب الشمس وهو يكسو منحدرات البتراء الوردية بضوئه الذهبي الدافئ، أدركت أن العجيبة الحقيقية لهذا المكان لا تكمن فقط في قدرته على الصمود أمام رمال الزمن، بل أيضًا في استمراره بإلهام الحوارات المعاصرة حول الوحدة، والصمود، والترابط الإنساني.
وبالنسبة للقادة العالميين، والمستثمرين، والمسافرين على حد سواء، تقف البتراء شاهدًا على ما تستطيع الإنسانية تحقيقه عندما نبني طرقًا للتجارة، وأبوابًا للضيافة، وجسورًا للسلام.
* محللة جيوسياسية واستراتيجية ثلاثية اللغات، وكاتبة عمود، وعضو مجلس إدارة في قطاع السفر والسياحة




