رلى السماعين
لطالما اعتُبرت السياحة إحدى أكثر أدوات الدبلوماسية العامة فاعلية، إذ تتيح للحكومات فرصة التواصل المباشر مع المجتمعات الأجنبية بطريقةٍ إنسانية.
في الأردن، البلد الذي يقف على مفترق الحضارات، تحوّلت السياحة إلى جسرٍ للحوار والتفاهم، يقرّب بين الثقافات ويعزز التعاونوالغاية المشتركة بين الشعوب.
فكل زائرٍ يشارك في تبادلٍ حضاري يتجاوز حدود المشاهدة والسياحة التقليدية. فعندما يزو السائح المغطس ويقف عند موقع معمودية السيد المسيح على نهر الأردن، أو يتجوّل في مدينة البتراء الوردية الخالدة، أو يمضي ليلته تحت نجوم وادي رم الصافية، فإنه يعيش تجربة مشاهدة كنوز الأردن الطبيعية والتاريخية، ويشهد على قصة بلدٍ صامدٍ ومنفتحٍ على العالم.
هذه اللقاءات تترك أثرًا لا يُمحى في النفوس، وغالبًا ما تبني جسورًا من النوايا الطيبة، قد تعجز الدبلوماسية الرسمية وحدها عن تحقيقها.
كما تمكّن السياحة من تقديم صورة الاردن الحقيقية للعالم، وبالذات في منطقة كثيرًا ما يُساء فهمها من خلال عدسة الصراع. فاستقرار الأردن وأمنه وكرم ضيافته ليست مجرد سمات، بل جزء من هويته الوطنية ورسالة حضاريّة يقدّمها بثقةٍ للعالم.
إن استثمار المملكة في الحفاظ على المواقع الأثرية، وتطوير مشاريع السياحة البيئية، وتسليط الضوء على تراثها الديني المتنوع، يعكس أكثر من طموح اقتصادي؛ فهو جهد مدروس لتأكيد قيم الشمولية، والفخر الثقافي، والنمو المستدام. هذه الصورة الإيجابية، التي تُصاغ بعناية من خلال تجربة الزائر، تتحوّل إلى قوة ناعمة تعزز مكانة الأردن على المسرح العالمي.
وبالمثل، تخلق السياحة فرصًا حقيقية للتبادل الثقافي، فالضيوف الذين يتذوّقون القهوة المعطرة بالهيل في بيت أردني، أو يتشاركون في وجبة المنسف مع أسرة أردنية، أو يستمعون لقصص الأدلاء في الصحراء، يخرجون بتقدير أعمق لدفء الناس وقيمهم الأصيلة.
إن هذه اللقاءات البسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في مضمونها، ترسّخ الفهم عبر الحدود اللغوية والوطنية والدينية. وبالنسبة للأردنيين، فإن مثل هذه التجارب تُثري أيضًا فهمهم لذاتهم وتؤكد أهمية تقاليدهم في عالم يتسارع نحو العولمة.
فالسياحة في الأردن ليست مجرد صناعة؛ بل هي حوار مستمر، ومسرح تُعرض فيه التراث والثقافة والسياسة كواقع حي يشارك فيه المضيف والضيف معًا. ومن خلالها، يعزز الأردن دوره كبلد يسعى دائماً للسلام والتقارب بين الشعوب والغنى الثقافي؛ قيم تتجاوز حدودها لتصل إلى العالم كله.
مؤسس ورئيس تنفيذي لمجلة أنوفيا السياحية، كاتبة مختصة بالسلم المجتمعي




