رحلة بين عالمين في فن شيرين عوده

السبت, أكتوبر 25, 2025

أنوفيا- في تحية مميزة للإبداع والتعبير الثقافي، اختارت مجلة أنوفيا الفنانة الأردنية المبدعة شيرين عوده لعددها الخاص بأسبوع الفن.فقد عُرفت شيرين بقدرتها الفريدة على مزج العاطفة والذاكرة والهوية من خلال اللون والتكوين، مجسدةً روح السرد الفني التي تفخر أنوفيا بدعمها والاحتفاء بها.

وُلدت شيرين في عمّان، الأردن، وترعرعت بين ألوان وطنها الزاهية وملامحه الغنية، حيث نسجت شغفها بالفن منذ الصغر ليصبح لغة تعبّر بها عن أحاسيسها وتجاربها. 

تخرّجت من معهد الفنون الجميلة عام 1992، ودرست على يد نخبة من الفنانين البارزين مثل الدكتور خالد خريس، كما طوّرت مهارتها في مجال الطباعة الفنية من خلال ورش عمل أقيمت في دارة الفنون بإشراف الأستاذة لين ألين وعدد من الفنانين المتميزين.

منذ أيام دراستها الأولى، كان الفن يجري في عروقها بالفطرة، لينمو لاحقًا إلى رسالة حياة. وبفضل الدعم المستمر من عائلتها وأصدقائها وزملائها، استطاعت شيرين أن تبني مسيرة فنية تتسم بالأصالة والفضول الإبداعي والصدق الإنساني.

وبعد سنوات من الإقامة في مونتريال، كندا، التي تعتبرها وطنها الثاني، تقيم شيرين اليوم بين مونتريال وعمّان، حيث يشكّل كلا المكانين بإيقاعهما الثقافي المختلف مصدر إلهام دائم لها. ومن خلال أعمالها، تبني شيرين جسورًا بين القارات والتجارب، مقدّمةً حوارًا بصريًا يحتفي بالانتماء والذاكرة وجمال التواصل الإنساني.

أنوفيا: ما الذي يلهم فنّك؟

شيرين: الحياة نفسها هي مصدر إلهامي، بجمالها، وتناقضاتها، وتحدّياتها. تأثرت دائمًا بالأحداث التي تمس إنسانيتنا، خاصة في منطقتنا. أحب أن أعتقد أن فني يعكس الصمود والأمل. من خلال اللون والملمس والرمز، أحاول أن أنشر الحب والإيجابية حتى في أحلك الأوقات.

أنوفيا: لو استطاعت أعمالك الفنية أن تتحدث، ماذا كانت لتقول عن شيرين عوده والعالم اليوم؟

شيرين: كانت ستقول إنني امرأة تشعر بعمق وترفض الاستسلام للألم أو فقدان الأمل.
العالم اليوم قد يكون قاسيًا، لكنني أؤمن بأن الفن يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الشفاء. كثير من أعمالي تتحدث عن فلسطين، والأردن، ولبنان، وسوريا — أماكن قريبة جدًا إلى قلبي.
أستخدم رموزًا مثل البطيخ، والرمان، وأغصان الزيتون، والياسمين، والليمون. من خلالها، أحاول إيصال رسالة حب ووحدة.
أنا ضد الكراهية والحرب، وأؤمن أن الفنانين قادرون، من خلال أعمالهم، على نشر رسائل التعاطف والرحمة — وذلك بحد ذاته إنجاز عظيم.

أنوفيا: كيف تسهم المواد التي تستخدمينها في إيصال رسالتك الفنية؟

شيرين: بدأت مسيرتي بالرسم التقليدي، لكن مع مرور الوقت انتقلت إلى الفن المختلط، وفن الكتب، والكولاج، وغالبًا ما أدمج مادة الراتنج التي تضيف عمقًا وملمسًا لأعمالي.
بدأت أتعامل مع الكولاج بشكل جدي بعد انتقالي إلى كندا قبل نحو سبع سنوات. التجربة مع مواد جديدة مثل الخشب والراتنج سمحت لي بالتعبير عن مشاعر معقدة بطريقة طبقية وملموسة.
لكل مادة معنى: الورق يرمز للهشاشة، والخشب للجذور والثبات، والراتنج للحفاظ على الذاكرة واستمرارها.

أنوفيا: كفنانة تعيشين بين مونتريال والأردن، كيف تؤثر هاتان الثقافتان على أعمالك؟

شيرين: العيش بين عالمين كان نعمة حقيقية.
في مونتريال، تأثرت بطاقة الفن الحديث والبوب آرت الزاهية، والتي شجعتني على التجريب بحرية والخروج من الأطر التقليدية.
أما في عمّان، فمصدر إلهامي يصبح أكثر عمقًا وتأملًا؛ فأنا محاطة بالتاريخ والثقافة وواقع الحياة اليومية في الشرق الأوسط. هنا، يتحول فني إلى انعكاس للهوية والانتماء.
أعتقد أن التوازن بين هذين العالمين يمنح أعمالي إيقاعًا فريدًا.

أنوفيا: كثير من أعمالك تعبّر عن الهوية والقدرة على الصمود. هل يمكنك مشاركة تجربة شخصية كان لها أثر كبير على مسيرتك الفنية؟

شيرين: ما يحدث في فلسطين، خصوصًا منذ السابع من أكتوبر، أثّر بي بعمق شديد. أنجزت سلسلة من أعمال الكولاج التي حاولت، رغم الألم والظلام، أن تبث الأمل والنور.
تواصل معي أشخاص من أنحاء مختلفة من العالم ليخبروني أن أعمالي لامست قلوبهم ومنحتهم القوة، وكان لذلك أثر كبير في نفسي.
لقد أثبت لي ذلك أن الفن يتجاوز الحدود ويشفي القلوب.
كما أستلهم كثيرًا من جذوري السورية، من ذاكرة والديّ وأجدادي التي تحمل حنين الطفولة والعائلة.

أنوفيا: لو أُتيحت لك فرصة التعاون مع أي فنان، من الماضي أو الحاضر، من سيكون ولماذا؟

شيرين: كنت سأختار التعاون مع آندي وارهول. كان شخصية ثورية ومثيرة للاهتمام. أعجبت دائمًا بقدرته على الاحتفاء بالحياة اليومية وتحويل الأشياء العادية إلى رموز ثقافية.
استخدامه للألوان الزاهية وتقنيات الطباعة بالشاشة الحريرية كان مبتكرًا بحق.
أنجزت بالفعل بعض الأعمال المستوحاة منه، تتناول وجوه المشاهير ومواضيع معاصرة.
أتخيل أن التعاون معه كان سيكون جريئًا ومفعمًا بالطاقة،  حوارًا بين الثقافات والأزمنة.

أنوفيا: برأيك، كيف يمكن للفن أن يكون أداة للتغيير الاجتماعي؟ وهل شهدت تأثير أعمالك في إلهام الناس أو تحفيز الحوار المجتمعي؟

شيرين: الفن من أقوى أدوات التغيير. ففي أوقات الحروب والأمراض والكراهية والتمييز، يستطيع الفن أن يوحّد الناس ويُشعل الحوار.
لقد رأيت ذلك من خلال أعمالي، خصوصًا تلك التي تحتفي بقوة النساء وإصرارهن. كثيرون أخبروني أن فني جعلهم يتأملون أو منحهم بصيص أمل.
كما تبرعت بعدد من أعمالي لدعم قضايا إنسانية، منها مبادرات لمساندة فلسطين.
معرفة أن فني قد يترك أثرًا صغيرًا أو يفتح بابًا للنقاش، هو شعور عميق بالرضا.

أنوفيا: أخيرًا، ماذا يعني لك الفن على الصعيد الشخصي؟

شيرين: الفن هو رفيقي الدائم ومصدر قوتي وسعادتي. مرسمي هو ملاذي الآمن، المكان الذي أنسى فيه الوقت وأعود إلى ذاتي.
لم أندم يومًا على اختياري لهذا الطريق. هناك مقولة أحبها كثيرًا: عندما تفعل ما تحب، لن تعتبره عملًا بعد اليوم.”
وهذا بالضبط ما أشعر به تجاه الفن، إنه أسلوبي في الحياة، وطريقتي في العطاء للعالم.