أنوفيا — يُعدّ المعلم المعروف باسم كاتدرائية جرش، والواقع بالقرب من الشارع المعمد وبجوار معبد أرتميس، أحد أبرز الشواهد المعمارية الباقية لفهم تطور المسيحية في جراسا القديمة، إذ يحتل موقعاً بارزاً في قلب المركز العمراني للمدينة.
اعقود طويلة، كان الاعتقاد السائد أن الكاتدرائية تعود إلى القرن الرابع الميلادي، ما كان سيجعلها واحدة من أقدم الكنائس المسيحية الكبرى في المنطقة، إلا أن الدراسات الأثرية اللاحقة أعادت النظر في هذا التأريخ.
فقد أشارت الأبحاث التي أُجريت ضمن مشروع كاتدرائية جرش خلال تسعينيات القرن الماضي إلى أن البازيليكا شُيّدت على الأرجح في نهاية القرن الرابع، أو بصورة أرجح خلال النصف الأول من القرن الخامس الميلاد، ويضع هذا التأريخ المعدّل الكنيسة ضمن مرحلة كانت فيها المسيحية قد أصبحت أكثر حضوراً في الحياة العامة والعمران في جراسا.
بُنيت الكاتدرائية على مخطط بازيليكي يتألف من ثلاثة أروقة: صحن مركزي، ورواقين جانبيين، مع هيكل شرقي. كما عكس حجمها وموقعها تنامي الحضور المؤسسي للمسيحية في المدينة خلال أواخر العصور القديمة.
____________________________________________________________________________
«تُذكر كاتدرائية جرش في كل مرجع يتناول العمارة المسيحية المبكرة.»
هانس-رودولف ماير، وبيت برينك
____________________________________________________________________________
ولم تكن الكنيسة معزولة عن محيطها، بل شكّلت جزءاً من نطاق مسيحي أوسع. فقد امتدت إلى الغرب منها ساحة النافورة، بينما قامت كنيسة القديس ثيودور في المنطقة المجاورة.
الكنيسة شُيّدت فوق موقع روماني أقدم، وأكدت الأعمال الأثرية وجود بقايا معبد روماني قائم على مصطبة أسفلها، ارتبط تقليدياً بالإله ديونيسوس، رغم أن هذا التحديد لم يُثبت بصورة قاطعة.
وأُعيد كذلك استخدام بعض العناصر المعمارية الرومانية في بناء البازيليكا المسيحية اللاحقة.
أولت الأبحاث الحديثة اهتماماً خاصاً بالعلاقة بين الكاتدرائية ومعبد أرتميس المجاور. ففي دراسة نُشرت عام 2021، تناول عالم الآثار إيان إليوت ماكلروي كيفية تطور المجمع المسيحي ضمن الإطار العمراني القائم في جراسا، بما يعكس استمرارية في استخدام الفضاءات المركزية للمدينة.
أما المظهر الأصلي للكاتدرائية، فكان مختلفاً بدرجة كبيرة عما يراه الزائر اليوم.
إذ كشفت الحفريات عن بقايا فسيفساء وعناصر زخرفية تشير إلى أن أجزاء من الداخل كانت أكثر غنى من الناحية البصرية. وما تبقى اليوم من جدران حجرية وأعمدة لا يمثل سوى جزء من الطابع الأصلي للكنيسة.
ومن أبرز المسائل التي ما تزال موضع نقاش تسمية المبنى نفسه بـ”الكاتدرائية”.
فالمصادر التاريخية تؤكد وجود أساقفة في جراسا منذ القرن الرابع الميلادي، ما يدل على وجود مسيحي كبير وإدارة كنسية واضحة.
____________________________________________________________________________
«كانت جراسا مدينة رومانية إقليمية مزدهرة وأصبحت مركزاً مسيحياً مهماً خلال الفترة البيزنطية»
ديفيد بوير
____________________________________________________________________________
وكشفت الأدلة عن آثار احتراق وتضرر في بعض مواد الفسيفساء، ما يشير إلى تعرض الكنيسة لحريق أو دمار في مرحلة لاحقة، قبل أن تُجرى عليها تعديلات طالت أجزاء من الصحن والهيكل ومستويات الأرضيات.
وتدل هذه التغييرات على أن الكاتدرائية استمرت في الاستخدام، وخضع للترميم والتكيف مع مرور الزمن.
____________________________________________________________________________
«كانت الكاتدرائية عنصراً أساسياً في ترسيخ الحضور المعماري للمسيحية في جراسا»
إيان إليوت ماكلروي
____________________________________________________________________________
وفي إطار المشهد الأثري الأوسع لجرش، تكتسب الكاتدرائية أهميتها من كونها توثق تطور العمارة المسيحية في المدينة عبر مراحل متعددة، فموقعها، ومخططها البازيليكي، وبقايا زخارفها، وتعديلاتها اللاحقة، وعلاقتها بالكنائس المجاورة، جميعها تقدم أدلة مهمة على حجم وتنظيم الحياة المسيحية في جراسا خلال الفترة البيزنطية.
وبالنسبة لزوار جرش اليوم، تبقى الكاتدرائية واحدة من أوضح الشواهد المعمارية الباقية على تطور المدينة إلى مركز مسيحي مهم في الأردن البيزنطي.




