طلال السكر
أنوفيا- في قلب التلال الهادئة غرب عمّان، وبين أحضان الطبيعة التي تحتضن منطقة وادي السير وعراق الأمير، يرقد مكان يكاد يختبئ عن أعين العابرين، لكنه يحمل بين صخوره حكاية تمتد عبر ألفي عام من التاريخ والإيمان والذاكرة الإنسانية. إنه “كنيسة كهف البصة”، ذلك الموقع الذي تحوّل من ملجأ طبيعي منحوت في قلب الجبل إلى محطة روحية وأثرية تستقطب اهتمام الباحثين والحجاج وعشاق التاريخ.
عندما يقف الزائر أمام مدخل الكهف اليوم، لا يرى مجرد صخور صامتة أو آثاراً قديمة، بل يواجه صفحات مفتوحة من تاريخ الأردن الروحي والحضاري. هنا، حيث تتعانق الجغرافيا مع الرواية، وتحكي الحجارة ما عجز الزمن عن محوه، يقف المكان شاهداً على قرون طويلة من الإيمان الإنساني والحضور المسيحي العريق في هذه الأرض المباركة.
ولفهم أهمية هذا الموقع، لا بد من التذكير بأن مسيحيي الأردن يشكلون جزءاً أصيلاً من تاريخ البلاد وهويتها الوطنية، فهم أبناء هذه الأرض منذ فجر المسيحية، وينتمون إلى جذور عربية ضاربة في عمق التاريخ، ارتبط كثير منها بالقبائل العربية المسيحية القديمة التي ازدهرت في بلاد الشام، وفي مقدمتها الغساسنة الذين أسسوا إحدى أبرز الممالك العربية المسيحية قبل الإسلام، وأسهموا في حماية المنطقة ورعاية مراكزها الدينية والثقافية. وعلى امتداد القرون، ظل المسلمون والمسيحيون في الأردن شركاء في بناء الوطن، يجمعهم الانتماء العربي والمصير المشترك.

الأردن نفسه ليس مجرد وطن عابر في سجل التاريخ، بل أرض رسالات وأنبياء وحضارات. فمن سهوله وجباله وأوديته مرت قوافل التجارة والحجاج، وعلى ضفاف نهر الأردن ارتبطت واحدة من أهم المحطات الروحية في التاريخ المسيحي، وهي معمودية السيد المسيح، لتصبح هذه الأرض جزءاً من الذاكرة الدينية العالمية ومقصداً للحجاج من مختلف أنحاء العالم.
وسط هذا المشهد التاريخي، تظهر بلدة البصة كواحدة من الكنوز الأثرية المخفية. فبحسب التقاليد المسيحية المحلية المتوارثة، وقد ارتبط الكهف بروايات تشير إلى مرور السيد المسيح وتلاميذه في هذه المنطقة خلال رحلاتهم بين القدس ووادي الأردن وشرق النهر. ورغم أن هذه الروايات تنتمي إلى التراث الديني أكثر من كونها حقائق أثرية مثبتة بشكل قاطع، فإنها منحت المكان مكانة روحية خاصة عبر الأجيال.
ومع بدايات العصر البيزنطي، وتحديداً في القرن السادس الميلادي، تحوّل الكهف الطبيعي إلى كنيسة منحوتة في قلب الصخر. فقد عمد المسيحيون الأوائل إلى تشييد واجهة حجرية عند مدخله، ورصفوا أرضيته بالفسيفساء الملونة، وأقاموا حوله المدافن والمنشآت الدينية، ليصبح مركزاً للعبادة والتأمل والحياة الروحية.

واليوم، وبعد مرور أكثر من خمسة عشر قرناً على تلك المرحلة، ما تزال بقايا الفسيفساء والجدران الحجرية تروي قصة مجتمع مؤمن رأى في هذا المكان قدسية تستحق الخلود. فكل حجر هنا يحمل أثراً من الماضي، وكل زاوية تختزن ذكرى لأناس عاشوا وصلّوا وتركوا بصمتهم في سجل الحضارة الإنسانية.
وتتضاعف أهمية الموقع في وقت يشهد فيه الأردن اهتماماً متزايداً بإحياء مسارات الحج المسيحي التاريخية. فضمن الرؤى التطويرية للمواقع الدينية والتراثية، جرى اعتماد وتأهيل كهف البصة ليكون إحدى المحطات المهمة على “درب المعمودية”، وهو المسار الذي يربط عدداً من المواقع التاريخية والدينية الممتدة باتجاه موقع المغطس على نهر الأردن، مروراً بالأودية والينابيع والطرق القديمة التي شكلت شرايين للحياة والتنقل عبر العصور.
هذا المسار لا يربط الأماكن فحسب، بل يربط الأزمنة أيضاً. فمن قلب الجبال المطلة على وادي السير، وصولاً إلى مياه نهر الأردن المقدسة، تمتد رحلة روحية وتاريخية تعيد إحياء ذاكرة المنطقة وتمنح الزائر فرصة فريدة للتأمل في عمق الإرث المسيحي الذي احتضنته الأرض الأردنية عبر القرون.
كنيسة كهف البصة موقع أثري إضافي على خارطة الأردن، بل يمثلان جزءاً من قصة أكبر؛ قصة وطن حمل على أرضه آثار الأنبياء والحضارات، واحتضن التنوع الديني والثقافي، وحافظ على إرثه الإنساني جيلاً بعد جيل.
فحين يدخل الزائر إلى هذا الكهف الصامت، يشعر وكأنه يعبر بوابة زمنية تمتد من العصر البيزنطي إلى الحاضر، ومن ذاكرة المؤمنين الأوائل إلى الحجاج المعاصرين. وهناك، وسط سكون الصخور وعظمة التاريخ، يدرك أن بعض الأماكن لا تُقاس بحجمها أو شهرتها، بل بما تختزنه من روح ومعنى ورسالة.
ومن كهف البصة إلى المغطس، ومن الفسيفساء البيزنطية إلى مسارات الحج العالمية، تستمر حكاية الأردن؛ أرض الرسالات، وملتقى الحضارات، وموطن الإيمان الذي ما زال يروي للعالم قصة عمرها آلاف السنين.
*مندوب إعلامي




