شراكة سياحية بين قبرص والأردن

الإثنين, سبتمبر 29, 2025

*رلى السماعين
لارنكا،قبرص- تجمع بين الأردن وقبرص علاقة تاريخية متينة تقوم على أسس من التاريخ المشترك، والثقافة، والتعاون المتبادل، واليوم، أصبحت السياحة محورًا رئيسيًا في هذه العلاقة، تعكس إلتزام البلدين بتعزيز الروابط الثنائية وتطوير مبادرات مشتركة تخدم المسافرين والقطاع السياحي على حدّ سواء.

في مقابلة حصرية مع مجلة Anovia، تحدّث كوستاس كوميس، نائب وزير السياحة القبرصي عن متانة العلاقات بين البلدين، والتحديات المشتركة، وآفاق التعاون الواعدة.

قال بأن ” نحن في جمهورية قبرص، نعتبر الشعب الأردني أصدقاء حقيقيين وجيرانًا مخلصين”، مشددًا على أن هذا التقارب يتجلّى ليس فقط في السياسة، بل أيضًا في العلاقات الإنسانية اليومية.

وأشار كوميس إلى أن العلاقات الثنائية قد شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، خاصة في ظلّ رئاسة رئيس الجمهورية نيكوس كريستودولس،مؤكدًا أن هذه العلاقات ليست شكلية فحسب، بل جوهرية وعملية.
وأضاف أن الزيارات المتبادلة بين المسؤولين القبارصة والأردنيين، وخصوصًا في قطاع السياحة، قد أسست لقاعدة قوية من التعاون العملي، مما انعكس إيجابًا على الصناعة السياحية بين البلدين.

وقال “نحن ننتمي إلى نفس الإقليم، ونتشارك العديد من أوجه التشابه الثقافية والتاريخية، وحتى في طريقة تفكيرنا كمهنيين في قطاع الأعمال هناك انسجام واضح، ومن هذا الأساس، تنبثق رغبة مشتركة في إنشاء برامج سياحية مشتركة تجمع بين مقومات الوجهتين.”

وأوضح نائب الوزير أن إعداد هذه البرامج يمثل تحديًا وفرصة في الوقت نفسه، إذ يمكن للاتفاقيات السياسية أن تضع الإطار العام، لكن النجاح الحقيقي يعتمد على تفاعل القطاع الخاص من شركات السفر، ومنظمي الرحلات، والمشاريع السياحية في البلدين، معتبرًا أن ذلك “ليس بالمهمة السهلة.”

وبيّن كوميس أن قبرص معروفة في أوروبا كوجهة متوسطية مشمسة، فيما يشتهر الأردن عالميًا بمواقعه الأثرية والتاريخية، وبالتالي فإن الدمج بين نقاط القوة لدى البلدين يشكل فرصة حقيقية لاستقطاب الزوّار من الأسواق العالمية.

وأضاف أن قبرص رسّخت موقعها أيضًا كوجهة رائدة في السياحة الرياضية، إذ توفر ظروفًا مثالية على مدار العام لأنشطة مثل كرة القدم، والسباحة، وركوب الدراجات، وألعاب القوى، مشيرًا إلى أن الجزيرة تمتلك مجموعة متكاملة من المرافق عالية الجودة بما في ذلك المسارات والمسابح وركوب الدراجات الجبلية في مدن مثل بافوسوليماسول ونيقوسيا.

وأضاف بأن “على الرغم من أن قبرص اشتهرت منذ زمن بشمسها وشواطئها، فإن العقد الأخير شهد تنوعًا ملحوظًا في الناحية السياحية، خصوصًا مع ازدهار السياحة الرياضية”، وأضاف أن مئات الأندية الرياضية الأوروبية، بما في ذلك فرق كرة القدم والسباحة وألعاب القوى، باتت تختار قبرص للتدريب والاستعداد للمنافسات.

وتابع بأن “مناخنا، ومرافقنا، وحسن الضيافة لدينا تجعلنا خيارًا دون تردد. كما أننا نستضيف العديد من الفعاليات الرياضية الدولية، بما في ذلك ثلاثة ماراثونات كبرى، تجذب آلاف الرياضيين والزوار سنويًا وتضفي حيوية جديدة على المشهد السياحي في الجزيرة.”

لكن طموحات قبرص تتجاوز الشمس والبحر والرياضة والآثار، إذ تعمل الجزيرة على تطوير سياحة المؤتمرات والمعارض، لتصبح مركزًا موثوقًا لاستضافة الفعاليات والاجتماعات الدولية.

وأوضح كوميس بأنه “بفضل المرافق الحديثة والقاعات الجديدة، أصبحت قبرص وجهة جذابة للمنظمات التي تبحث عن مزيج من التجربة المهنية والثقافية.”

وأضاف أن هذه المبادرات تكمل السياحة الرياضية وتُسهم في بناء منظومة سياحية متكاملة تجذب أنماطًا مختلفة من الزوار على مدار العام.
وأشار إلى أن الهدف هو تحويل قبرص إلى وجهة سياحية على مدار السنة.
”السياحة الشتوية، التي كانت تُعتبر سابقًا ثانوية، شهدت نموًا لافتًا. ففي الشتاء الماضي وحده، ارتفع عدد الزوار بنسبة 23% مقارنة بالعام السابق، وهو اتجاه يبشّر بمواسم قوية قادمة.”

وفي المقابل، أوضح نائب الوزير أن الأردن يشكّل شريكًا طبيعيًا ومكملًا مثاليًا، لما يتمتع به من عمق تاريخي وأثري وثقافي.

“يقدم الأردن مواقع أثرية مذهلة وتاريخًا عريقًا يمكن أن يشكّل تكاملًا رائعًا مع ما تقدمه قبرص. الجمع بين مقومات بلدينا من خلال برامج سياحية مشتركة يمثل فرصة حقيقية لإضافة قيمة مميزة للزوار وتعزيز التعاون بيننا.”

وتابع قائلاً “لقبرص تاريخ ديني وثقافي عريق، فمواقع مثل قبر القديس لعازر في لارنكا، وكنيسة باناجيا تمنح الزوار تجارب روحية وثقافية عميقة، مما يجعل قبرص ليست مجرد وجهة ترفيهية بل أيضًا وجهة للسياحة الدينية والثقافية.”

وفي الواقع، تمتد إمكانات التعاون بين البلدين عبر عدة مجالات، فقبرص تستقطب الزوار لشواطئها المشمسة وفعالياتها الرياضية ومؤتمراتها الدولية، بينما يجذب الأردن الحجاج والمغامرين ومحبي الثقافة من أنحاء العالم.
ومن خلال إنشاء برامج سياحية متكاملة، يمكن للبلدين أن يقدما تجربة سلسة تربط بين البتراء وجبل نيبو من جهة، وبافوس وكوريون من جهة أخرى، أو تجمع بين صحارى الأردن وسواحل المتوسط.

وأشار نائب الوزير إلى تزايد اهتمام القبارصة بزيارة الأردن في السنوات الأخيرة، بفضل توفر الرحلات الجوية المباشرة بأسعار تنافسية، إضافة إلى الحملات الترويجية والإعلانات في الشوارع ووسائل الإعلام التي زادت الوعي وأسهمت في ارتفاع عدد المسافرين.

وقال “اليوم، يزور القبارصة الأردن أكثر من أي وقت مضى، ومبادرات مثل مبادرة مجلة أنوفيا المختصة بالسياحية تساعد في تسليط الضوء على العديد من المواقع غير المعروفة التي تجعل الأردن فريدًا من نوعه.”

وبعيدًا عن الأرقام والاستراتيجيات، شارك نائب الوزير تجاربه الشخصية في زياراته إلى الأردن، موضحًا أن رحلاته كانت في الغالب رسمية ومكثفة، إلا أن بعض الانطباعات ظلت راسخة في ذاكرته.
”زرت الأردن ثلاث مرات في حياتي، مرتين قبل أن أتولى منصب نائب الوزير لأغراض عمل، ومرة أثناء تولي المنصب. ورغم أن كل زيارة كانت قصيرة، إلا أن دفء وكرم ضيافة الشعب الأردني تركت في نفسي أثرًا عميقًا.”
كما أثنى على المطبخ الأردني، مشيرًا إلى تنوعه وغناه ونكهاته المميزة، قائلاً

”المأكولات الأردنية مليئة بالتنوع والنكهات ، وقد لاحظت تشابهًا كبيرًا بينها وبين المأكولات القبرصية، ما يعكس مدى قرب ثقافتينا.”

وعلى الرغم من ضيق الوقت خلال زياراته الرسمية، إلا أن حماسه تجاه الأردن كان واضحًا، حيث قال إنه غالبًا ما يخبر عائلته أن الزيارة المناسبة قد طال انتظارها، لاستكشاف الارث الثقافي العريق والتعرف على الثقافة الأردنية بعيدًا عن الأطر الرسمية.
تجدر الإشارة إلى أن جزيرة قبرص تقع في شمال شرق البحر الأبيض المتوسط، عند ملتقى ثلاث قارات: آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتشكل نقطة التقاء للحضارات القديمة الكبرى.
*مؤسس والرئيس التنفيذي لمجلة أنوفيا