أنوفيا- غرب مادبا مباشرة، على الطريق التاريخي المؤدي إلى جبل نيبو، تقع خربة المخيّط، جوهرة أثرية من العصر البيزنطي.
لقد كانت هذه القرية القديمة موطنًا لمجتمع مسيحي نابض بالحياة، وهي مشهورة بفن الفسيفساء المعق، د وبآثار الكنائس المحفوظة بشكل رائع، وكأنها نافذةً تطل على التراث الروحي والفني للأردن. وقد وثّقها الدكتور حيدر هلسة في كتابه “تاريخنا المنسي”، حيث تدعو خربة المخيّط الزائرين لدخول عالم تتشابك فيه الروحانية والفن والحياة اليومية.
يكشف الكتاب أن من كنوز المكان عدة كنائس تُظهر الغنى الروحي والمهارة الحرفية لسكان القرية:
- كنيسة القديس جورج: تقع على أعلى نقطة في البلدة، وقد بناها الراهب الشهير جوليانوس. النقش اليوناني يوضح تكريسها للقديس جورج خلال مطرانية الأسقف إلياس في عام 536 ميلادي. تظهر الفسيفساء الزاهية بالأنماط النباتية والهندسية، والحيوانات، والمشاهد الرعوية، مدى براعة الفن البيزنطي.
- كنيسة القس يوحنا: تُنسب أيضًا إلى جوليانوس، وتكشف هذه الكنيسة المسيحية المبكرة عن مهارة البناء والتفاني الروحي لسكان القرية الأوائل، لتكون واحدة من أقدم المواقع المقدسة في المنطقة.
- كنيسة القديسين لوط وبروكوبيوس: تقع ضمن أسوار المدينة، وتحميها اليوم منشأة للحفاظ على أرضيتها الفسيفسائية الرائعة. مخصصة للقديس لوط، والد الموآبيين، والقديس بروكوبيوس، شهيد قيصرية في عام 303 ميلادي، حيث تسجل النقوش الإيمانية الشخصية للمتعبدين الأوائل في القرية:

“في عهد الأسقف يوحنا، الجزيل الطوبى والقداسة، بنى الكاهن والقندلفت بريخوس مقامك المقدس وفرغ منه في شهر تشرين الثاني… يا إله القديسين لوط وبروكوب، تقبل تقدمة الإخوين ستيفانوس وإلياس إبني كومسا. يا اله الشهداء تقبل تقدمة سرجيوس وابنه بروكوبيوس…”
وقد رأى الباحث بيتشيريليو أن كنيسة الشهدين لوط وبركوبيوس هي واحدة من أجمل أرضيات الفسيفساء في الأردن. وتشير الأدلة إلى وجود” كنيسة خامسة” ما يبرز الشبكة الدينية الواسعة للقرية.
تكشف الحفريات الأثرية عن استمرار الاستيطان وأهمية خربة المخيّط ضمن منطقة مادبا التي تعرف عالميًا باسم مدينة الفسيفساء.
كما كانت القرية، الواقعة على طريق الملك التاريخي، محطة روحية واستراتيجية للحجاج المتجهين إلى جبل نيبو والأراضي المقدسة.
اليوم، تقدم خربة المخيّط أكثر من لمحة عن التاريخ، فهي متحف مفتوح هادئ يدعو الزوار للتجول بين الجدران القديمة والأعمدة وأرضيات الفسيفساء، كل منها يروي حكايات الإيمان والفن والتبادل الثقافي.
في هذا المكان ينبض التراث المسيحي البيزنطي في الأردن بالحياة، مقدمًا رحلة غنية بالتجربة ولا تُنسى أبدًا.







