تقع بحيرة طبريا، أخفض بحيرة للمياه العذبة على سطح الأرض وثاني أخفض مسطح مائي في العالم بعد البحر الميت، في شمال شرقي فلسطين المحتلة، عند نقطة التقاء حدود ثلاث دول: الأردن وسوريا فلسطين.
اكتسبت عبر العقود أهمية جيوسياسية لافتة، باعتبارها مصدراً رئيسياً للمياه العذبة في منطقة شديدة الحساسية، الأمر الذي جعلها محوراً دائماً للتوترات والنزاعات الإقليمية في ظل الأوضاع السياسية والأمنية المتقلبة.
تُعد بحيرة طبريا أكبر بحيرة للمياه العذبة ، وتمتد لأكثر من 21 كيلومتراً من الشمال إلى الجنوب، بعمق يصل إلى نحو 43 متراً. وتتغذى جزئياً من ينابيع جوفية تقع في الجزء الأردني من الوادي المتصدع العظيم، فيما يشكّل نهر الأردن شريانها المائي الرئيس. تتميز البحيرة بتنوع كبير في الكائنات البحرية والعوالق الحيوانية مثل القشريات المائية والرخويات والطحالب الدقيقة، و تشتهر بزراعة محاصيل متنوعة مثل التمور والحمضيات والخضروات.
على امتداد التاريخ، حملت البحيرة أسماء عدّة؛ من جينيساريت وكينيرث وتشينيروث، إلى “بحر الجليل” في النسخ اليونانية والعبرية للكتاب المقدس، كما ارتبط اسمها بالإمبراطور الروماني طيباريوس الذي أعطاها التسمية الأشهر اليوم، و تُذكر بحيرة طبريا في الأناجيل المسيحية وأصبحت مقصدًا للحجاج.
المشهد الطبيعي حول البحيرة يضاعف من فرادتها. فمناخها معتدل شتاءً بفضل انخفاضها الشديد عن سطح البحر، حيث يبلغ متوسط الحرارة في ديسمبر نحو 14 درجة مئوية، وتتساقط الأمطار على شكل زخات قصيرة وعنيفة خلال نحو خمسين يوماً فقط. أما صيفها فحار تصل فيه الحرارة إلى 31 درجة مئوية، وهي ظروف منحت المنطقة بيئة زراعية خصبة تنتج الموز والتمر والحمضيات والخضروات.
وعلى الضفة الغربية لبحيرة طبريا، وعلى ارتفاع 682 قدماً تحت سطح البحر، شُيّدت مدينة طبريا عام 26 ق.م بأمر من هيرودس، الذي بناها مزدانة بالقصور والمعابد والمسارح والحمّامات العامة فوق الينابيع الحارة التي اشتهرت بخصائصها العلاجية في العالم الروماني. وقد رأى المؤرخ يوسيفوس في موقعها “طموح الطبيعة”، لجمال المشهد المحيط بها.
تحتضن طبريا قبور شخصيات بارزة، أبرزهم الفيلسوف والطبيب الشهير موسى بن ميمون، طبيب صلاح الدين الأيوبي، الذي توفي في القاهرة عام 1204 ونُقلت رفاته إلى طبريا.
بهذه الطبقات المتداخلة من الجغرافيا والتاريخ والدين والسياسة، تظل بحيرة طبريا أحد أكثر المواقع حضوراً في الذاكرة الجمعية، ومركزاً للبحث والدراسة، وفضاءً يختزن روايات متعددة لشرقٍ ما يزال يعيد إنتاج تاريخه حتى اليوم.
حقائق عن البحيرة:
الينابيع الحارة حول البحيرة كانت مقصداً دولياً للعلاج، حتى أن الرومان أقاموا حمامات تتنافس مع حمامات باث في بريطانيا، وتركوا نقوشاً تشير إلى وفود زوار من آسيا الصغرى وقبرص.
تشير دراسات جيولوجية حديثة إلى أن مستوى بحيرة طبريا تغيّر بشكل كبير منذ العصر الجليدي الأخير، حيث كانت أعمق وأكثر اتساعاً بسبب المناخ الرطب وانخفاض درجات الحرارة. وقد جرى توثيق ذلك عبر تحليل الرواسب العميقة.
في عام 2013 اكتشف علماء آثار بواسطة السونار هيكلاً حجرياً دائرياً عملاقاً في قاع البحيرة، يشبه إلى حد كبير منشآت العصر البرونزي. قطره يبلغ 70 متراً ووزنه ملايين الكيلوغرامات، ولا يزال الغرض من بنائه لغزاً.
اكتُشفت بقايا تجمعات بشرية من العصر الحجري، منها مواقع “أوهالو II” التي تعود إلى 23 ألف سنة، وفيها بقايا أكواخ، أدوات صيد، وحتى آثار خبز بدائي.
المراجع:
Stanford Lake Lisan Project
Live Science – Mysterious Monument in the Sea of Galilee
Geological Society of America Bulletin
Geological Society of America Bulletin




