الروائي والمسرحي الأردني يتحدث لمجلة أنوفيا عن الهوية والتنوع والسياحة والقوة الاقتصادية للثقافة
د. رلى السماعين
في وقت تشهد فيه المجتمعات حول العالم تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة، أصبحت الأسئلة المتعلقة بالهوية والتنوع والانتماء أكثر أهمية من أي وقت مضى. فما الذي يعرّف المجتمع؟ وكيف تحافظ المجتمعات على تراثها وهي تحتضن التغيير؟ وهل يمكن للثقافة أن تتحول إلى قوة اقتصادية؟ وما الدور الذي تؤديه السياحة في حماية الهوية والتراث؟
شكلت هذه الأسئلة محور الحوار الذي أجرته أنوفيا مع الروائي والكاتب والمسرحي الأردني هزاع البراري، الذي تركت إسهاماته الأدبية والفكرية بصمة واضحة في الحياة الثقافية الأردنية والعربية.
بالنسبة للكثيرين، تستحضر كلمة «الثقافة» مباشرةً الكتب والمكتبات والأدب، إلا أن البراري يرى أن هذا الفهم ضيق للغاية.
«عندما يسمع الناس كلمة الثقافة، فإنهم يفكرون مباشرة في الكتب والكتّاب، بينما الثقافة بمفهومها الأوسع تشمل جميع جوانب الحياة.»
وانطلاقاً من تعريف اليونسكو للثقافة، يوضح البراري أن الثقافة تشمل التقاليد والقيم واللغة والفلكلور والعادات والملابس والطعام والممارسات الاجتماعية.
«الثقافة هي ما يميز مجتمعاً عن آخر»، ويضيف أنها تمثل منظومة القيم والتقاليد التي تشكل هوية المجتمع، ولهذا نتحدث عن الثقافة الشرقية أو الغربية أو اليابانية أو العربية، إذ تعكس كل منها إطاراً اجتماعياً وفكرياً متكاملاً. كما تمتد الثقافة إلى مجالات متخصصة مثل الثقافة القانونية والسياسية والسياحية، وجميعها تسهم في تشكيل الهوية الثقافية الشاملة للمجتمع.»
وبحسب البراري، فإن الثقافة تمثل العدسة الأساسية التي يمكن من خلالها فهم المجتمعات.
«عندما تزور بلداً ما، فإنك تبحث عن فلكلوره، وطعامه، وملابسه، واحتفالاته، وحتى الطريقة التي يحزن بها الناس، فهذه العناصر تكشف الشخصية الحقيقية للمجتمع».
وينظر البراري إلى الثقافة باعتبارها الإطار غير المرئي الذي يوجّه المجتمعات. فهي تتجاوز الفلكلور والتقاليد لتشكل القيم، وتؤثر في السلوك الاجتماعي، وتحدد الكيفية التي تتفاعل بها المجتمعات وتتعايش وتفهم العالم من حولها.
وكانت أهمية التنوع الثقافي من أبرز القضايا التي برزت خلال الحوار.
«لا يوجد مجتمع أحادي البعد، فالتنوع يثري المجتمعات ويمنحها العمق».
ويشير البراري إلى الأردن بوصفه مثالاً واضحاً على القوة التي يمكن أن يمنحها التنوع الثقافي للدول.
ويقول إنه رغم صغر المساحة الجغرافية للمملكة، فإنها تحتضن فسيفساء غنية من الثقافات البدوية والريفية والحضرية، إلى جانب التراث الشركسي والشيشاني ومكونات ثقافية أخرى، تشكل جميعها الهوية الأردنية.
ويضيف بإن هذا التنوع يمثل مصدراً للثراء الثقافي، ويسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي وإغناء المشهد التراثي والسياحي في البلاد.
ويشير البراري إلى ثراء الفلكلور الأردني، لافتاً إلى أن الدبكة في الرمثا تختلف عن الدبكة في معان، وأن السامر (رقص وغناء فلكلوري أردني أصيل يتسم بالطابع البدوي) في الجنوب يختلف عن السامر في الشمال، إلى جانب اختلاف الرقصات والتقاليد الشركسية والشيشانية وغيرها من الموروثات المحلية.
«إذا كان البلد يمتلك تعبيراً فلكلورياً واحداً فقط، فإن عرضه الثقافي يصبح محدوداً، أما التنوع فيسمح بإقامة مهرجان كامل دون تكرار أي ثيمة ثقافية».
ويرى أن هذا الثراء يمثل في الوقت ذاته قيمة ثقافية وسياحية.
ويؤكد البراري أن الوعي هو العامل الحاسم في كيفية إدارة المجتمعات للتنوع.
«الناس لا يخرجون من مصنع يمنح الجميع طريقة التفكير ذاتها».
ويشير إلى أن الاختلاف في العادات والتقاليد والمعتقدات والخلفيات الاجتماعية أمر طبيعي.
«الآخر ليس نقيضك، بل إن اختلافه يكملك ولا يهددك».
وبحسب البراري، فإن الاختلافات الثقافية قد تُستغل أحياناً لإحداث الانقسام وإضعاف المجتمعات، لكنه يؤكد أن التنوع يتحول إلى مصدر للقوة عندما تدرك المجتمعات قيمته وتتبناه باعتباره قوة جماعية.
«كلما ازداد وعي المجتمعات بقيمة التنوع، أصبحت أكثر قوة وتماسكاً».
ورغم أن العديد من النقاشات تركز على مبادرات الحوار الرسمية، فإن البراري يعتقد أن الفهم الحقيقي يبدأ داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية.
«لسنا مجتمعات متحاربة تحتاج إلى طاولات تفاوض. يجب أن يتعلم الأطفال أن الناس لا يشتركون جميعاً في التقاليد أو الدين أو الخلفية الاجتماعية نفسها».
ويضرب مثالاً بالمجتمع الشركسي في الأردن بوصفه نموذجاً لكيفية تعايش هويات ثقافية متعددة داخل هوية وطنية مشتركة.
«هذه اختلافات وليست أدوات للفرقة».
ويؤكد أن المدارس والجامعات والمناهج التعليمية تؤدي دوراً أساسياً في تعزيز القبول والتفاهم.
وكان البعد الاقتصادي للثقافة من أبرز المحاور التي تناولها الحوار.
«الثقافة ليست ترفيهاً فقط، بل هي صناعة أيضاً».
ويشير البراري إلى دول تسهم فيها الصناعات الثقافية بصورة كبيرة في الاقتصاد الوطني، بينما يعتقد أن الأردن لم يستثمر بعد كامل إمكاناته في هذا المجال.
فالحرف التقليدية، والفنون، والتصميم، والسينما، والعمارة، والمنتجات الثقافية جميعها تمثل فرصاً للنمو.
«نحن بحاجة إلى تحويل الثيمات الثقافية إلى فرص اقتصادية».
ويوضح أن ذلك لا يعني تغيير التراث، بل الحفاظ على أصالته مع جعل المنتجات الثقافية أكثر ارتباطاً بالأسواق المعاصرة.
ويرى البراري أن الأردن كثيراً ما يحصر البترا في أعداد الزوار والإحصاءات السياحية.
«البترا تحفة فنية. يمكن لعمارتها أن تلهم طلبة التصميم والهندسة، ويمكن لطبيعتها أن تستقطب صناع الأفلام والفنانين، كما يمكن لرمزيتها أن تلهم الصناعات الإبداعية. لا ينبغي النظر إلى البترا باعتبارها موقعاً أثرياً فقط، بل بوصفها تجربة ثقافية وفنية متكاملة».
كما يسلط الضوء على إمكانات سياحة المؤتمرات والفعاليات الدولية، التي يمكن أن تعزز الحضور العالمي للوجهات السياحية.
ويعتقد البراري أن الأجيال الأردنية الشابة تمتلك إمكانات إبداعية كبيرة.
«لدينا جيل قادر على الابتكار والإبداع، والتحدي يكمن في ربط التراث بالتكنولوجيا الحديثة وريادة الأعمال».
ويضيف أن السرد الرقمي، والتصميم، وصناعة الأفلام، والمنتجات الثقافية تمثل جميعها فرصاً للشباب الأردني.
«يحتاج الشباب إلى معرفة ثقافية تمكنهم من تحويل التراث إلى منتجات قادرة على المنافسة».
وبالنسبة للبراري، تمثل السياحة توازناً دقيقاً بين التنمية والحفاظ على التراث.
ففي الوقت الذي يمكن فيه للسياحة أن تولد فرصاً اقتصادية وتعزز المجتمعات المحلية، فإنها قد تلحق الضرر بالمواقع التراثية عندما تطغى المصالح التجارية على جهود الحماية.
ويشدد البراري على أهمية السياحة المستدامة، والحفاظ على البيئة، والاستثمار المستمر في حماية التراث الثقافي والطبيعي.
«قد تصبح السياحة مدمرة إذا كانت العوائد المالية هي الهدف الوحيد.»
ويشير إلى أن التغير المناخي والضغوط البيئية تهدد بالفعل مواقع أثرية مثل البترا، التي تظل صخورها الرملية عرضة للتأثر.
«إذا كانت السياحة تحقق فوائد اقتصادية، فيجب أن يُخصص جزء من هذه العوائد لحماية المواقع نفسها».
ويرى البراري أن المجتمعات المحلية تمثل شريكاً أساسياً في التنمية السياحية المستدامة، إذ إن توفير الفرص الاقتصادية وتشجيع المشاركة المجتمعية يعززان الشعور بالمسؤولية تجاه التراث والموارد الثقافية.
«عندما تستفيد المجتمعات اقتصادياً، فإنها تبدأ بالدفاع عن السياحة والحفاظ عليها».
ويشير إلى أن المبدأ نفسه ينطبق على السياحة العلاجية، حيث تظل الجودة والثقة والمعايير المهنية عوامل أساسية للحفاظ على المكانة التنافسية للأردن.
وتبقى السياحة، بحسب البراري، من أكثر القطاعات تأثراً بالتطورات الإقليمية.
«السياحة شديدة الحساسية».
ويقول إن التوترات السياسية وعدم الاستقرار الإقليمي يؤثران غالباً في ثقة الزوار، حتى عندما يبقى الأردن مستقراً. ومن هنا، يرى أن الأردن مطالب بالاستمرار في الترويج لنفسه كوجهة آمنة ومضيافة، إلى جانب تعزيز بنيته التحتية السياحية ووسائل الربط والنقل.
وخلال الحوار، شدد البراري على أن الثقافة يجب أن تُفهم باعتبارها مورداً وطنياً حيوياً، لا ترفاً أو نشاطاً نخبوياً. فهي، بحسب رؤيته، تشكل الهوية، وتعزز الروابط الاجتماعية، وتدعم السياحة، وتلهم الابتكار، وتسهم في النمو الاقتصادي.
وفي الحالة الأردنية، يرى أن التنوع الثقافي يمثل أحد أهم الأصول الوطنية، إذ يثري تجربة الزائر، ويعزز التماسك المجتمعي، ويفتح آفاقاً جديدة للإبداع والتنمية.
ويختتم البراري حديثه بالقول:
«كلما ازداد وعي المجتمعات بقيمة التنوع، أصبحت أكثر قوة وتماسكاً»




