غزة على خارطة مادبا… تراث منسي في ظل الحرب

الأحد, نوفمبر 23, 2025

رلى السماعين 

أنوفيا – بعد أن قضيتُ معظم طفولتي في مادبا، شاهدتُ خارطة الفسيفساء مرات لا تُحصى، وسمعتُ كثيراً عن قصص أهميتها التاريخية. ومع ذلك، لم أدرك إلا مؤخراً أن هذا الأثر الاستثنائي، الذي يوثّق بصرياً الحقبة المسيحية، يحمل الكثير ليقوله عن غزة في تلك الفترة.

ظهور غزة على خارطة مادبا أثار فضولي، الذي أشبعته من خلال الاطلاع على مصادر من دائرة آثار غزة، وبحث الأكاديمي معين صادق بعنوان الطبوغرافيا المسيحية في غزة البيزنطية المنشور في المجلة الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية.  وتشير الدراسة إلى أن غزة لم تكن مجرد مدينة مرفئية مزدهرة فحسب، بل مركزاً فكرياً لعب فيه أساقفتها وأديرتها ومدارسها دوراً مهماً في صياغة الفكر المسيحي في شرق البحر المتوسط.

وجود غزة على خارطة فسيفساء مادبا يشهد على مكانتها. فموقعها على مفترق الطرق بين كنعان في آسيا ومصر في إفريقيا منحها أهمية جغرافية وسياسية كبرى عبر التاريخ. وبنهاية القرن الثالث الميلادي، بدأت المسيحية بالانتشار في غزة والقرى المحيطة بها، مما جعلها مركزاً محورياً في العالم المسيحي، ومحطة أساسية لحجاج الأراضي المقدسة المتجهين نحو سيناء الشاسعة.

وتؤكد المصادر التاريخية أن غزة تحولت إلى مركز أسقفي مؤثر. ومن الحقائق المهمة وإن كانت أقل شهرة أن غزة كانت موطناً لحركة رهبانية بارزة يقودها شخصيات مثل القديس هيلاريون الغزي، الذي أسس تلاميذه لاحقاً أديرة امتدت حتى دلتا النيل. وتشير دراسة صادق أيضاً إلى أن علماء غزة المسيحيين شاركوا بفاعلية في المناظرات اللاهوتية خلال العهد البيزنطي، وكتبوا مؤلفات وتراتيل انتشرت بشكل واسع في المنطقة، ما يعكس دور غزة الفكري في تشكيل الحياة الروحية خارج حدودها.

دليل على هذه المكانة، بُنيت كاتدرائية عام 407م برئاسة الأسقف بورفيريوس، التي شكّلت نقطة تحول في تثبيت المسيحية في المدينة، وقد عُثر على بقايا الكنيسة داخل المسجد العمري.

وكشفت حفريات واسعة عن كنائس وأرضيات فسيفسائية متقنة الصنع، ما يدل على سيادة المسيحية في غزة وقراها خلال العصر البيزنطي.

 ومن أبرز الاكتشافات أرضيات فسيفسائية ضخمة في جباليا وخربة البلاخية، والتي يعتبرها مؤرخو الفن من أرقى نماذج الفن البيزنطي في جنوب بلاد الشام—صدى لحياة روحية وفنية مزدهرة كانت غزة مركزها.

وتعود خارطة الفسيفساء إلى الحقبة المسيحية في عهد الإمبراطور جستنيان (527–565م)، حيث تظهر مدينة غزة كاملة، بما في ذلك الكنائس، والشوارع المحاطة بالأعمدة المتقاطعة في مركز المدينة، وأسوارها وبواباتها، ومنصة ضخمة كانت بقايا ساعة مائية تشير إلى الوقت عبر جرس وأجسام برونزية متحركة.   كما تظهر أيضاً صورة للمسرح على هيئة بناء نصف دائري ضخم في الركن الجنوبي الشرقي من المدينة، إلى جانب القرى المجاورة مثل بيت لاهيا والنزلة.

ومن الضروري التذكير بجذور المسيحية العميقة في غزة وفلسطين، والتي تعود إلى القديس هيلاريون، المولود في غزة في قرية ثباثا عام 291م.

 وتقع غزة البيزنطية اليوم تحت أحياء القطاع الحديثة. وبسبب الكثافة السكانية العالية، يستطيع علماء الآثار تحديد مواقع معظم القرى البيزنطية ووصف مبانيها الضخمة وتقنياتها وعناصرها الزخرفية ونقوش فسيفسائها، لكن دون القدرة على التنقيب فيها بالكامل.

وكما آمنت أنوفيا دائماً، فإن التراث ليس مجرد ذاكرة… إنه مسؤولية. واليوم، بينما يشهد العالم القتل المستمر للأبرياء وتدمير بنية غزة التحتية، بما في ذلك كنوزها التاريخية، يصبح واضحاً أن الوقت يدق ناقوس الخطر. 

فغزة تضم طبقات من التاريخ الإنساني لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تشكّل جزءاً من الذاكرة الثقافية للعالم كله. فأهل غزة ليسوا مجرد أرقام في تقارير إخبارية؛ إنهم بشر يتحملون معاناة لا توصف، يحملون معهم قصصاً وتراثاً وأحلاماً يجب الحفاظ عليها.

رئيس ومؤسس مجلة أنوفيا،  كاتبة متخصصة في الحوارات والسلم المجتمعي