خريطة الفسيفساء في كنيسة القديس جورج – مادبا

الأحد, نوفمبر 23, 2025

أنوفيا – تُعد خريطة فسيفساء مادبا، أو ما يُعرف بخريطة الأرض المقدسة في مادبا، واحدة من أبرز الكنوز الأثرية في العالم البيزنطي. فهي أقدم خريطة فسيفسائية باقية للأراضي المقدسة، وقد صُنعت في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.
اكتُشفت الخريطة بمحض الصدفة حوالي عام 1890، عندما بدأ سكان مادبا – الذين أعيد توطينهم في ذلك الوقت – بناء كنيسة القديس جورج فوق أنقاض بناء بيزنطي قديم. واليوم ما يزال من الفسيفساء ما يقارب 10.5 × 5 أمتار، فيما يُرجَّح أن حجمها الأصلي كان يقارب 21 × 7 أمتار.

تتجه الخريطة شرقاً بما يتوافق مع اتجاه مذبح الكنيسة، وتمتد رؤيتها الجغرافية من لبنان شمالاً إلى دلتا النيل جنوباً، محاطة بالبحر المتوسط غرباً والصحراء الشرقية شرقاً.
تتكون الخريطة من أكثر من مليوني حجر فسيفساء ملوّن، وتشكل لوحة جغرافية وثقافية فريدة للمنطقة. ومن خلال ألوانها المتعددة – الأزرق والأحمر والأصفر والأخضر والبنفسجي – تظهر تضاريس الأراضي، والمدن، والنباتات والحيوانات والأنهار، من نهر الأردن المتعرّج إلى واحة أريحا المظللة بالنخيل.
تضم الخريطة أكثر من 150 نقشاً يونانياً تحدد أسماء المدن والقرى والمواقع الكتابية، إضافة إلى اقتباسات من نصوص قديمة مثل كتاب «الأونومستكون» ليوسابيوس وأعمال المؤرخ يوسيفوس فلافيوس.

وتظهر مدينة القدس في مركز الخريطة بأكبر مساحة مقارنة بباقي المدن، حيث تُعرض بتفصيل معماري دقيق يضم 19 برجاً، وست بوابات، وثلاثة شوارع رئيسية، و11 كنيسة، وعدداً من المباني العامة. كما تحفظ الخريطة أول تمثيل فني معروف لكنيسة القيامة الأصلية كما بُنيت في عهد الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع.
كما تظهر مدن أخرى مثل عسقلان وغزة بتفاصيل مشابهة، إلى جانب مشاهد حيوية مثل الأسماك في نهر الأردن أو أسد يصطاد غزالاً في منطقة مؤاب، في دليل على مهارة الفنانين وحيوية الخريطة.

لا توثق خريطة مادبا جغرافية الأراضي المقدسة فحسب، بل تعطي نظرة ثاقبة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية في القرن السادس، إذ تُظهر زراعة التمر والبلسم في أريحا، وحركة السفن التجارية في البحر الميت، وشبكة طرق الحج البرية التي ربطت المواقع الدينية الكبرى، ما يعكس ازدهار اقتصاد الحج في ذلك العصر.
وعليه، فإن خريطة مادبا ليست سجلاً بصرياً فقط، بل تحفة فنية وثقافية وتاريخية تمثل كتاب تاريخ مفتوحاً؛ كل قطعة فسيفساء فيها تروي جزءاً من قصة أرض شكّلت محوراً للإيمان والهوية والحضارة الإنسانية.

أصل خريطة الأرض المقدسة في مادبا

الجزء المتبقي من خريطة مادبا اليوم يبلغ تقريباً 35 × 15 قدماً (نحو 560 قدماً مربعاً)، إلا أن الباحثين يجمعون على أن هذا لا يمثل سوى جزء من حجمها الأصلي.
تقديرات عديدة تشير إلى أن حجمها الأصلي ربما تجاوز 1,000 قدم مربع، بينما يرى بعض الباحثين أنها كانت أوسع من ذلك بكثير. وعلى أي تقدير، فقد احتوت الخريطة على أكثر من مليون قطعة فسيفساء، رُصفت بعناية بالغة على يد حرفيين بيزنطيين.

تحديد الحدود الكاملة للخريطة ما يزال موضوعاً للنقاش الأكاديمي. فالتقديرات التقليدية تجعل حدودها الشمالية عند الساحل الفينيقي، وجنوبها عند سيناء والطيبة المصرية، بما يتوافق مع حدود الأرض الموعودة في سفر العدد (12–1:34).
فيما يقترح باحثون آخرون مدى أوسع قد يشمل آسيا الصغرى، وقبرص، وكريت، والبحر الأحمر، وحتى مناطق من نهري دجلة والفرات.
وتعكس هذه التباينات مدى المعرفة الجغرافية الطموحة التي صاغت هذه الخريطة الفريدة.

ومن أبرز الشخصيات التي زارت الخريطة البابا يوحنا بولس الثاني – وهو البابا الوحيد الذي رآها شخصياً – وذلك خلال حج الألفية إلى الأرض المقدسة في مارس 2000، حيث زار كنيسة القديس جورج خصيصاً لمشاهدة هذه التحفة. وتضمنت زيارته مواقع مسيحية بارزة أخرى في الأردن مثل جبل نيبو، ما يعكس الأهمية الروحية لمادبا حتى اليوم.

فلسطين والقدس

تتوسط القدس خريطة مادبا باعتبارها أهم عناصرها البصرية والمعمارية.
ويُظهر مخطط المدينة البوابات الكبرى مثل باب دمشق، باب الأُسود، باب الذهب، وباب صهيون، إضافةً إلى معالم معمارية مهمة مثل كنيسة القيامة، والكنيسة الجديدة للعذراء، وبرج داود، والشارع الرئيسي – الكاردو مكسيموس.
كما تُظهر الخريطة موقع «حقْل الدم» (أكِلْداما) في جنوب غرب المدينة.
إن مستوى التفاصيل يجعل القدس محور الخريطة رمزياً وروحياً وفق التصور الديني البيزنطي.

غزة ومحيطها

تظهر غزة على الخريطة كمركز أسقفي بيزنطي ومدينة مزدهرة. وعلى الرغم من بقاء نصف الصورة الفسيفسائية الجنوبي فقط، فقد حرص الفنان بوضوح على إبراز الروعة المعمارية للمدينة. تشبه غزة في تمثيلها القدس، فهي مرسومة بشكل بيضاوي محاط بسور، ويعبرها شارع كاردو أعمدة من الشرق إلى الغرب، ويتطابق تقريباً مع شارع السوق الكبير الحديث (as-Suq al-Kabīr). عند تقاطع الكاردو والدِكومانوس يقع مربع مركزي واسع، يُعتقد أنه يتوافق مع منطقة خان الزيت الحالية.

في الجهة الجنوبية الغربية من غزة، كان يضم الفسيفساء في الأصل كنيستين بارزتين. وقد وصف الخطيب البيزنطي في القرن السادس، خوريكيوس الغزي، كنيسة القديس سيرجيوس وكنيسة القديس إسطفان بالتفصيل، وكلتاهما كانت مشهورتين في مسقط رأسه. ومع ذلك، وبسبب عدم اكتمال الفسيفساء، يبقى تحديد هياكل الكنائس المحفوظة بشكل مؤكد أمراً مستحيلاً.

في الربع الجنوبي الشرقي من غزة، يظهر المسرح بوضوح. ويعزو عالم الآثار زئيف فايس بناؤه إلى الفترة الرومانية الإمبراطورية، ويشير إلى أنه قد أُدمج لاحقاً ضمن تحصينات المدينة. يُفسر نصف الدائرة الأصفر في المركز كالأوركسترا، بينما تمثل الأقواس البيضاء والفاتحة المحيطة الكافيا المقسمة، وتشير الخطوط الحمراء الداكنة التي تفصل الكافيا الخارجية إلى السلالم (scalariae).

إلى الشمال الغربي من غزة، يظهر ميناء المدينة، مع التسمية الجزئية المحفوظة «مايوماس، المعروف أيضاً باسم نيابوليس». وإلى الجنوب الغربي تظهر كنيسة القديس فيكتور بواجهة سقف حمراء مميزة. وقد سجل حاج بياشنزا قبر القديس فيكتور داخل مايوماس نفسها، وليس بين مايوماس وغزة كما يظهر على الفسيفساء، وهو فارق مثير للاهتمام للباحثين.

جنوب غزة، تُسجّل الخريطة مجموعة من القرى، بعض منها معروف فقط من خلال خريطة مادبا، ما يشير إلى أن الفنان كان يمتلك معرفة مباشرة محلية بهذه المجتمعات. وتبرز هذه الدقة الطوبوغرافية الفريدة قيمة الخريطة ليس فقط كتحفة فنية، بل أيضاً كمستند جغرافي قائم على معرفة أولية بالأرض المصوَّرة.

أريحا ووادي الأردن

يُعد الجزء الخاص بوادي الأردن السفلي وأريحا من أفضل أجزاء خريطة مادبا حفظاً، ويضم واحة أريحا المزدهرة محاطة بعدة مواقع حج مسيحية مبكرة. تتسم المنطقة بالحيوية من خلال تصوير الحيوانات والنباتات: على الضفة الشرقية، يهرب الوعل النوبي من مفترس كبير، يُرجح أنه فهد، وقد طُمس وجهه لاحقاً خلال فترة تحطيم الأيقونات.

في نهر الأردن، تُصوّر الأسماك وهي تسبح عكس التيار، مع وجود سمكة مميزة تعكس اتجاهها لتجنب الدخول إلى البحر الميت، الذي ترفع ملوحته من صعوبة استمرار الحياة فيه. وحول أريحا وفي مناطق متفرقة، صوّر الفنان العديد من أشجار النخيل وشجيرات البلسم، التي يُعتقد أن أوراقها البيضوية تعود إلى نبات البلسم (Commiphora gileadensis). منذ العصور القديمة، شكلت زراعة التمر والبلسم العمود الفقري للاقتصاد المحلي في أريحا، لكن إنتاج البلسم تراجع في بداية العصر الإسلامي مع انهيار الزراعة النباتية المكثفة.

أما أريحا نفسها فهي مرسومة كمدينة متوسطة الحجم بأسوار وخمسة أبراج وبوابتين. وتظهر ثلاثة أسقف لكنائس داخل المدينة، غير أنه لا يمكن مطابقتها بشكل قاطع مع الهياكل المعروفة اليوم.

نابلس ومحيطها

بين القدس ونابلس، تحتوي الفسيفساء على لوحة نصية بارزة بالخط الأحمر على خلفية بنية، تجمع بين بركتين توراتيتين موجهتين إلى سبط يوسف، مقتبستين من السبعينية:

  • سفر التكوين 49:25: «يوسف، باركه الله ببركة الأرض، وبأفضل عطايا الجبال القديمة».
  • سفر التثنية 33:13: «وقال عن يوسف: مبارك من الرب أرضه، بكنوز السماء الثمينة».

تظهر نابلس كمدينة كبيرة، على الرغم من تعرضها للتلف والاسوداد بسبب الحريق. ويكشف جزء محفوظ من سور المدينة عن عدة أبراج. من البوابة الشرقية يمتد شارع أعمدي باتجاه الغرب حتى البوابة الغربية، قاطعاً محور المدينة الشمالي–الجنوبي. بالقرب من هذا التقاطع، يوجد مبنى صغير مغطى بأعمدة، ربما حمام عام، ويقع تقريباً في الموقع الذي يشغله اليوم مسجد النصر.

في الحافة الجنوبية للمدينة، قد تمثل نصف دائرة بارزة نيمفيوم، وهو ما تؤكده الحفريات الحديثة في عين قريون. كما تظهر كنيسة بازيليكية كبيرة على الخريطة، يُعتقد أنها الكنيسة الرئيسية للمدينة، والتي تعرضت للتدمير عام 484 خلال هجوم السامريين.

قبل أبواب القدس

فوق صورة القدس، تُصوّر جثسيماني ككنيسة صغيرة. وإلى اليسار يظهر نص معدل من السبعينية في تثنية 33:12، يحمل بركة سبط بنيامين: «بنيامين، يحفظه الله، ويسكن بين جباله». ويُظهر التعديل محاولة لاستعادة المعنى العبري لكلمة «الكتفين» كإشارة شعرية لمنحدرات الجبال.

تشير الخريطة إلى عدة طرق حول القدس. الطريق البري الوحيد المميز بحجارة بيضاء هو الطريق من باب دمشق إلى نابلس. كما توجد طرق أخرى محددة بواسطة العلامات الحجرية: غرب القدس، تشير الخريطة إلى «الميل الرابع» و«الميل التاسع» في الطريق نحو نيوبوليس وديوبوليس (لدة).

جنوب ذلك يقع بيت حورون، مع طريق الصعود المعروف باسم «Ascent of Bethoron»، المذكور عدة مرات في الكتاب المقدس، ويُمثل على الأرجح بواسطة الفسيفساء الداكنة تحت الاسم. إلى الشرق منه تظهر موديعيم، موطن المكابيين، كما وصفه أوسابيوس القيصري في كتابهOnomasticon تقريباً كما هو مكتوب. يستمر الطريق إلى تمنه «حيث جزّ يهوذا غنمه» (تكوين 38:12–13)، ومن ثم إلى أكيلداما، «حقل الدم» المرتبط بيهوذا الإسخريوطي، قرب جبل صهيون بحسب أوسابيوس.

المراجع:

  • Frithowulf, Hrothsige. Madaba Map: An Antique to Early Byzantine Floor Mosaic.
  • Herbert Donner – The Mosaic Map of Madaba: An Introductory Guide. Madaba: The 
  • World’s Oldest Holy Land Map, Biblical Archaeology Review (BiblicalArchaeology.org).