أنوفيا –في عالم التصميم الحديث، لم تعد النباتات مجرد عنصر جمالي يزيّن الزوايا، بل تحولت إلى لغة فنية تعكس أسلوب الحياة والبحث عن التوازن والسكينة. وبين هذا العالم الذي يلتقي فيه الفن بالطبيعة، برزت تجربة ” Souljar ” كمشروع مختلف يعيد تقديم الخضرة بوصفها تجربة حسية وفنية متكاملة، لا مجرد هواية منزلية عابرة.
وراء هذا المشروع تقف شهد …… شابة اختارت أن تجعل من شغفها بالطبيعة رحلة إبداعية متواصلة، باحثةً عن طرق لدمج الجمال الطبيعي في تفاصيل الحياة اليومية والمساحات الداخلية.
اشارت في حديثها لمجلة أنوفيا بأنها ترى في النباتات وسيلة للتعبير عن الهدوء والإبداع، ” ومحاولة لاحتواء الطبيعة وتخليد جمالها داخل مساحات صغيرة تنبض بالحياة “.
وتوضح أن البداية جاءت من سحر مراقبة دورة حياة النبات داخل بيئة مغلقة، وكيف يمكن لغصن صغير أن يتحول مع الوقت إلى نظام بيئي متكامل.
”كان يدهشني كيف تستطيع نبتة صغيرة أن تبني عالماً كاملاً داخل قطعة زجاج. هذا الفضول هو ما دفعني لاستكشاف هذا العالم وتحويله من هواية إلى احتراف“.
اختارت شهد التخصص في أنظمة زراعية غير تقليدية مثل ” التراريوم ” ، وهي أنظمة زجاجية مصغّرة تحتضن نباتات محبة للرطوبة ضمن بيئات شبه مكتفية ذاتياً، إلى جانب “ البالوداريوم ” الذي يجمع بين البيئات المائية والبرية، و ” الكوكيداما ” ، وهو فن ياباني تقليدي يقوم على تغليف جذور النباتات بتربة مغطاة بالطحالب لتشكيل كرات نباتية أنيقة نابضة بالحياة. وتمزج هذه التقنيات بين الطبيعة والتصميم الفني، لتبتكر مشاهد طبيعية مصغّرة مستوحاة من الغابات والأنهار والبيئات الرطبة داخل أوعية زجاجية وتركيبات فنية معاصرة.
وتصف هذه الأعمال بأنها ” فن حيّ ” أكثر من كونها زراعة تقليدية، وبأن ” هذه الأنظمة تمنحني القدرة على تصميم عوالم صغيرة تحاكي الطبيعة بكل تفاصيلها، وتضيف إحساساً بالفخامة والسكينة إلى أي مساحة توضع فيها ” .
ومن أبرز ما يميز هذه الأنظمة، بحسب حديثها، خاصية الاستدامة الذاتية، خاصة في ” التراريوم المغلق ” حيث يعيد النظام تدوير المياه داخله بصورة طبيعية، في مشهد بيئي متكامل يكاد يحاكي الطبيعة الحقيقية. كما ترى أن القيمة الجمالية لهذه الأعمال تتجاوز فكرة النباتات التقليدية، موضحة بأن ” القطعة ليست مجرد نبتة، بل تجربة فنية تحاكي الحواس كلها، وتمنح المكان روحاً مختلفة ” .
وتشير إلى أن هذه الأعمال توفر حلاً مثالياً للأشخاص الذين لا يملكون حدائق خارجية، لكنهم يرغبون في الاحتفاظ بجزء من الطبيعة داخل مكاتبهم أو منازلهم.
ورغم المظهر الهادئ والبسيط الذي تعكسه هذه القطع، إلا أن تنفيذها يتطلب دقة عالية ومعرفة متخصصة. فالأمر لا يقتصر على وضع نبات داخل وعاء زجاجي، بل يحتاج إلى دراسة دقيقة لتوازن الرطوبة والضوء والبكتيريا والفطريات داخل النظام المغلق.
وتشرح أن هذا النوع من الزراعة يعتمد على أدوات ومواد خاصة، تشمل أوعية زجاجية مصممة بخصائص معينة، وطبقات تصريف مثل الحصى البركاني والكربون المنشط للحفاظ على نقاء النظام، إلى جانب أدوات دقيقة تشبه الأدوات الجراحية للتعامل مع التفاصيل الصغيرة داخل الزجاج.
وعن الجانب العلمي للمشروع، تقول بأن ”هذا المجال يحتاج إلى مزيج من المعرفة البيولوجية والحس الفني وتفهم احتياجات النباتات، وفي الوقت نفسه تعرف كيف تنسق المشهد بصرياً بطريقة متوازنة“.
ولهذا، خاضت شهد سلسلة من الدورات التدريبية الإلكترونية وطبّقت بشكل يومي لأكثر من عام كامل، في محاولة لفهم أسرار هذا العالم المعقد والدقيق.
أما فكرة المشروع، فجاءت من البحث المستمر عن طرق مبتكرة لإدخال الطبيعة إلى التصاميم الداخلية العصرية، خاصة في الفيلات والمساحات الفاخرة، بطريقة تتجاوز الشكل التقليدي للنباتات المنزلية.
”بدأت رحلتي مع استكشاف فن الكوكيداما الياباني القديم، ثم تطور الأمر تدريجياً ليشمل أنظمة نباتية ومائية أكثر تعقيداً“.
وتؤكد أن الدعم الذي تلقته من العائلة والأصدقاء لعب دوراً أساسياً في تحويل “Souljar” من فكرة صغيرة إلى علامة تحمل هوية واضحة، مضيفة بأن ”الإيمان بأن الفن الطبيعي له جمهور يقدّر قيمته كان الدافع الأكبر للاستمرار“.
واليوم، تتطلع صاحبة المشروع إلى مرحلة أكثر طموحاً تشمل تنفيذ جداريات نباتية ضخمة وأنظمة ”بالوداريوم“ مدمجة داخل تصاميم الفنادق والشركات الكبرى، إلى جانب إقامة معرض خاص يعرض هذا النوع من الفن البيئي الحديث.
كما تعمل على نشر الوعي بهذا المجال من خلال تنظيم ورشات تدريبية تستهدف الأجيال الجديدة، بهدف تعريفهم بفكرة ”الطبيعة المصغرة“ وكيف يمكن تحويل الزراعة إلى مساحة للإبداع والتأمل.
ولا تقف رؤيتها عند حدود الفن فقط، بل تمتد نحو دمج التكنولوجيا بالأنظمة الحيوية عبر إدخال الإضاءة الذكية وأنظمة الري التلقائي، لتصبح هذه الأعمال جزءاً من مفهوم ”المنزل الذكي“ المعاصر.
وتختتم شهد بعبارة تختصر فلسفة المشروع بأكمله.
”في النهاية، أنا لا أبيع نباتات فقط، بل أقدّم قطعة من الطبيعة قادرة على منح الإنسان شعوراً بالهدوء والحياة وسط صخب العالم“.
وفي “Souljar” لا تبدو النباتات مجرد كائنات خضراء توضع داخل الزجاج، بل عوالم صغيرة تنبض بالحياة، تعيد تذكير الإنسان، وسط صخب المدن والتكنولوجيا، بأن الطبيعة لا تزال قادرة على منح الهدوء والجمال والإلهام.




