يفتح في علامة تبويب جديدة

أم الرصاص… حكاية استمرارية ومجتمعات تعاقبت على المكان

أنوفيا – على بُعد ثلاثين كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من مادبا، يقودك الطريق عبر مشهد أردني مفتوح، شبه صحراوي، لتظهر أمامك أم الرصاص، ربما على نحو لا تتوقعه. للوهلة الأولى، يبدو المكان ساكناً؛ جدران قديمة، وحجارة متناثرة، وبقايا أبنية صمدت قروناً. لكنه من تلك الأماكن التي كلما أطلت البقاء فيها، بدأت ترى أكثر.

عُرفت أم الرصاص قديماً باسم كاسترون ميفعة (Kastron Mefa’a)، وارتبطت بميفعة الواردة في سفر إرميا من الكتاب المقدس. واتخذها الرومان لاحقاً موقعاً عسكرياً، لكن حكايتها لم تتوقف عندهم.

على امتداد القرون، اتسعت المستوطنة وتغيّرت، وتركت وراءها شواهد على مجتمعات تعاقبت هنا، وفصولاً مختلفة من تاريخ الأردن.

ولعل أجمل هذه الفصول ما بقي في كنائسها. فقد اكتُشفت في الموقع ست عشرة كنيسة، تتفرد بينها كنيسة القديس إسطفانوس بما تحتضنه من أرضية فسيفسائية تعود إلى القرن الثامن الميلادي.

هذه الفسيفساء ليست عملاً فنياً نتأمله فحسب، بل حكاية يمكن قراءتها. فعلى أرضيتها تظهر مدن كانت جزءاً من العالم المحيط بأم الرصاص؛ القدس ومادبا وفيلادلفيا، عمّان اليوم، إلى جانب مدن أخرى.

تخيّل الأيدي التي وضعت تلك القطع الحجرية الصغيرة، واحدة تلو الأخرى، قبل نحو اثني عشر قرناً. كانت تصنع فناً، بالتأكيد، لكنها كانت أيضاً تترك لنا صورة عن العالم كما رأته في ذلك الزمن.

ثم هناك البرج.

يرتفع نحو 15 متراً فوق المكان، ويرتبط بتقليد الرهبان المتنسكين الذين اختاروا العزلة والصلاة والتأمل، وقضوا فترات من حياتهم بعيداً عن صخب الحياة اليومية. وما زال البرج اليوم يقف منفرداً تحت السماء الأردنية، شاهداً استثنائياً على عمق الحضور المسيحي المبكر في هذه الأرض.

وفي أم الرصاص حكاية أخرى تستحق التوقف عندها. فقد استمرت الحياة المسيحية فيها بعد بداية الحكم الإسلامي، وبُنيت كنيسة القديس إسطفانوس بعد ذلك بأكثر من قرن. ولهذا يتحدث المكان، بهدوء، عن الاستمرارية وعن مجتمعات عاشت تحولات الزمن وحافظت على إيمانها وتقاليدها.

وفي عام 2004، أدرجت اليونسكو أم الرصاص على قائمة التراث العالمي، تقديراً لقيمتها الأثرية والتاريخية الاستثنائية.

لكن التواريخ وحدها لا تروي أم الرصاص.

لفهمها، عليك أن تمشي بين حجارتها، وتتأمل فسيفساءها، وتقف تحت برجها المنفرد. بعض الأماكن تروي تاريخها بصوت عالٍ. أما أم الرصاص، فلا تحتاج إلى ذلك.  فحجارتها تتذكر.