رلى السماعين
بافوس، قبرص — انعكست أشعة شمس البحر الأبيض المتوسط برفق على مياه ميناء بافوس، فيما تمايلت قوارب الصيد بهدوء أمام القلعة التاريخية التي تحرس الساحل منذ قرون. واختلط صوت الأمواج المتكسرة على الممشى الحجري بأصوات الزوار الذين يتنزهون على الواجهة البحرية، في مشهد بدا وكأنه خارج حدود الزمن.
في هذا المكان الساحر، أحد أشهر معالم قبرص، كان لمجلة أنوفيا لقاء حصري مع المدير التنفيذي لمجلس بافوس الإقليمي للسياحة ناسوس هادجيجيورجيو، للحديث عن الكيفية التي تستعد بها واحدة من أقدم الوجهات الثقافية في البحر المتوسط للمستقبل.
فبعيداً عن شهرتها كوجهة للشمس والبحر، تبرز بافوس اليوم كمكان تتقاطع فيه الأسطورة مع التراث والاستدامة والابتكار. ومن الكنوز الأثرية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، إلى القرى الجبلية ومسارات النبيذ والأديرة والمجتمعات المحلية الأصيلة، تعيد المنطقة تعريف مفهوم السياحة الثقافية المعاصرة.
وبالنسبة لهادجيجيورجيو، لم يعد التحدي يقتصر على الحفاظ على التاريخ، بل يتمثل في جعله حياً ومتفاعلاً مع الزوار.
وقال “تضم بافوس واحدة من أغنى التجمعات التراثية والثقافية في منطقة البحر المتوسط، لكن المستقبل لا يكمن فقط في حماية المعالم الأثرية، بل في تفعيلها من خلال تجارب معاصرة.”
وأوضح أن رؤية مجلس بافوس الإقليمي للسياحة تقوم على تحويل التراث من عناصر يكتفي الزوار بمشاهدتها إلى تجارب يعيشونها ويتفاعلون معها ويفهمونها ويقيمون معها رابطاً عاطفياً.
وأضاف أن هذه الفلسفة قادت إلى استثمارات واسعة في السرد الرقمي للقصص، والتفسير التفاعلي للمواقع، والمسارات الثقافية المتخصصة، والمحتوى متعدد اللغات عبر رموز الاستجابة السريعة (QR)، والجولات الصوتية، وتجارب القرى، وفنون الطهي، والأساطير، والتقاليد الدينية، والأنشطة المجتمعية.
وقال بأن” قصة بافوس لا ينبغي أن تنتهي عند مدخل الموقع الأثري، بل يجب أن تستمر عبر الحرف المحلية والموسيقى وثقافة صناعة النبيذ والمهرجانات ومسارات المشي واللقاءات مع السكان المحليين”.
وفي إطار هذه الرؤية، لم تعد حديقة بافوس الأثرية المدرجة على قائمة اليونسكو، ومقابر الملوك، وقرى أكاماس، والكنائس والأديرة، والمجتمعات التقليدية تُنظر إليها كمعالم منفصلة، بل كأجزاء من “مشهد ثقافي حي” تختلط فيه الأساطير والتاريخ والروحانية والحياة المتوسطية اليومية بصورة طبيعية.
وأكد “هدفنا هو ألا يكتفي الزائر بزيارة بافوس، بل أن يشعر بأنه جزء من قصتها.”
ويكمن أحد أبرز عناصر تميز بافوس في التنوع الاستثنائي الذي تحتضنه ضمن مساحة جغرافية محدودة نسبياً. ففي أقل من ساعة، يستطيع الزائر الانتقال من المواقع الأثرية العريقة إلى المحميات الطبيعية البكر، والقرى الجبلية، وكروم العنب، والأديرة التاريخية، والمناظر الساحلية الخلابة، والمجتمعات المحلية النابضة بالحياة.
لكن المفاجأة الأكبر، بحسب هادجيجيورجيو، تتجاوز الجمال الطبيعي للمكان.
وقال بأن ما يفاجئ الزوار حقاً هو العمق العاطفي الذي تتمتع به الوجهة، موضحاً بأن بافوس توفر توازناً نادراً بين الهدوء والثقافة والروحانية ونمط الحياة العصري؛ فهي راقية من دون تكلف، وتاريخية من دون أن تبدو أسيرة للماضي، وعالمية مع حفاظها على أصالتها العميقة.
“يصل كثير من المسافرين وهم يتوقعون وجهة متوسطية تقليدية للشواطئ، لكنهم يكتشفون مكاناً تتداخل فيه الحضارات والأساطير والإبداع والدفء الإنساني الحقيقي، وغالباً ما يصبح هذا التناقض الجميل أكثر ما يعلق في ذاكرتهم.”
كما مكّن هذا التنوع بافوس من الاستجابة لتطلعات الزوار الدوليين المتغيرة، بمن فيهم الأعداد المتزايدة من السياح الأردنيين.

ويرى هادجيجيورجيو أن المسافر الأردني يبحث بشكل متزايد عن وجهة تجمع بين الراحة والأمان والضيافة العائلية وتجارب الحياة الراقية والتقارب الثقافي وفرص الاستجمام الأصيلة.
“سواء كانوا عائلات أو أزواجاً أو مسافرين فاخرين أو شباباً أو باحثين عن المغامرة، فإن القواسم المشتركة بينهم تتمثل في البحث عن خدمات ضيافة عالية الجودة، وبيئات آمنة، وتجارب ثقافية ذات معنى، ومأكولات متميزة، وخصوصية، وأنشطة تجمع بين الترفيه والأصالة.”
وأكد أن بافوس توفر هذا التوازن بدقة.
وعن الهوية الفكرية والثقافية التي ينبغي أن تتبناها بافوس على الساحة السياحية العالمية، جاءت إجابته واضحة ومباشرة:
“يجب أن تتموضع بافوس عالمياً كوجهة تلتقي فيها الحضارة والأسطورة والاستدامة.”
وأوضح أنه رغم كونها إحدى أبرز وجهات العطلات في قبرص، فإن تميزها الحقيقي يكمن في كونها مشهداً ثقافياً تشكل عبر آلاف السنين من التفاعل بين الحضارات والطبيعة والإنسان.
وأضاف أن بافوس، باعتبارها الموطن الأسطوري للإلهة أفروديت وموقعاً مدرجاً على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تحمل قيمة رمزية عالمية ترتبط بالجمال والانسجام والإبداع والتواصل الإنساني.
“في الوقت نفسه، ترسخ المنطقة مكانتها كنموذج للسياحة الذكية والمستدامة من خلال الابتكار الرقمي، ومبادرات سهولة الوصول، والحفاظ على التراث، والسياحة التجريبية منخفضة الأثر البيئي.”
أشار هادجيجيورجيو إلى أن الهوية العالمية المستقبلية لبافوس بأنها ترتكز على خمسة محاور مترابطة وهي الأصالة الثقافية والتراث الغني، ونمط الحياة المتوسطي والإبداع والرفاه، والإدارة المستدامة والمسؤولة للوجهة، وسهولة الوصول والتجارب السياحية الشاملة، إضافة إلى السياحة الذكية والابتكار الرقمي والتحول التكنولوجي.
“تمتلك بافوس القدرة على تحقيق حضور دولي أكبر، ليس فقط بفضل ما ورثته من التاريخ، بل أيضاً بفضل الطريقة التي تعيد بها تفسير هذا الإرث للمستقبل.”
ويؤمن هادجيجيورجيو بأن لكل مدينة سياحية ناجحة إيقاعاً خاصاً يصعب تقليده، أما إيقاع بافوس فيقوم على التوازن والخلود.
“إنها وجهة تمنح الزائر فرصة التمهل دون أن تفصله عن غنى التجربة.”
ويتجلى هذا الإيقاع في تفاصيل كثيرة، من تغير ألوان الضوء المتوسطي، إلى اندماج الآثار القديمة في الحياة اليومية، وإيقاع القرى التقليدية، ومشاهد الكروم، وأجواء الميناء، والعلاقة المتناغمة بين الثقافة والطبيعة.
وأشار إلى أنه على عكس الوجهات التي تقوم على السرعة أو المبالغة أو الاستعراض، تقدم بافوس شيئاً أصبح نادراً في عالم السياحة المعاصر؛ إيقاعاً أكثر عمقاً يقوم على الأصالة والتواصل الإنساني والرفاه النفسي.
“إنها مكان يستطيع فيه الزائر أن يعيش التأمل والاكتشاف في الوقت نفسه. وما يجعل هذه الأجواء ثمينة حقاً أنها لا يمكن صناعتها بشكل مصطنع، بل تنبع من الشخصية الحقيقية للمنطقة وسكانها.”
ومع تحول السياحة العالمية بصورة متزايدة نحو التجارب المصممة بعناية والسفر القائم على الخبرة، أصبحت الوجهات مطالبة بتقديم ما هو أكثر من المناظر الجميلة.
وبالنسبة لهادجيجيورجيو، فإن المستقبل سيكون للوجهات القادرة على صناعة المعنى.
“مستقبل السياحة سيكون للوجهات التي تصنع المعنى، وليس لتلك التي تكتفي بعرض المعالم، ولحسن الحظ، تمتلك بافوس جميع المقومات الأساسية لذلك؛ من الأساطير والتراث وفنون الطهي والطبيعة والروحانية والإبداع والمجتمعات الأصيلة.”
أما التحدي الحقيقي فيكمن في تحويل هذه العناصر إلى تجارب متكاملة وعالية الجودة تمتلك قيمة سردية مؤثرة.
ولهذا الغرض، قال هادجيجيورجيو، يستثمر مجلس بافوس الإقليمي للسياحة بشكل كبير في السرد الموضوعي للقصص، والابتكار الرقمي، والبرامج الثقافية، والسياحة التجريبية، والشراكات مع الفنانين والمبدعين والطهاة والمرشدين والمجتمعات المحلية.
وأضاف بأنه يجري التركيز بصورة متزايدة على التجارب التفاعلية، والمسارات البيئية، والطرق الثقافية، وتجارب النبيذ وفنون الطهي، وسياحة العافية، والمبادرات الفنية، والسياحة الموضوعية على مدار العام.
وأشار المدير التنفيذي إلى أن المنطقة تشارك كذلك في برامج تمويل أوروبية تدعم السياحة الذكية والتحول الرقمي والابتكار والتنمية المستدامة. وفي سوق سياحي عالمي تتشابه فيه المنتجات بصورة متزايدة، يرى هادجيجيورجيو أن الأصالة تمثل أعظم ميزة تنافسية لبافوس.
“يمكن لبافوس أن تتميز عالمياً من خلال تقديم تجارب تثري الفكر، وتحمل قيمة ثقافية حقيقية، وتترك أثراً عاطفياً لا يُنسى.”
وقبل أن يختتم حديثه، ألقى نظرة نحو الميناء حيث ما زالت قرون من التاريخ تلتقي بأفق البحر المتوسط، وأضاف “في عالم تتشابه فيه المنتجات السياحية بشكل متزايد، تمتلك بافوس فرصة فريدة للتفرد لأنها ما زالت محافظة على أصالتها.”
ولعل هذه هي جوهر بافوس الحقيقي؛ وجهة لا تسعى إلى إبهار زوارها بالمظاهر وحدها، بل بالقصص والذاكرة والتواصل الإنساني، وبذلك الإحساس الخالد بالمكان الذي يجعل الأسطورة تبدو وكأنها ما زالت حية حتى اليوم.







