يفتح في علامة تبويب جديدة

”الأردن يملك أقوى سردية دينية في الشرق“ الأب جوزيف سويد

 رلى السماعين

 أنوفيا، عمان – في شرقٍ يزداد تعقيداً واضطراباً، ما تزال هناك أماكن تحتفظ بثقلها الروحي والإنساني، وتتجاوز حضورها الجغرافي لتصبح جزءاً من ذاكرة المنطقة وهويتها. ومن بين هذه الأماكن، يقف الأردن، بالنسبة للأب جوزيف سويد، الوكيل البطريركي للكنيسة المارونية في الأردن، بوصفها دولة تحتضن مواقع دينية مقدسة؛ بل و “واحة روحية” تحمل مشروعاً وطنياً وثقافياً وإنسانياً قادراً على إعادة تقديم الشرق للعالم من بوابة السلام والحج الديني مع التجربة الإنسانية العميقة.

في حديثٍ اتّسم بالحماسة والرؤية والإيمان، ربط الأب سويد بين السياحة الدينية والهوية الوطنية، وبين الإيمان والثقافة والشباب والاقتصاد، معتبراً أن الأردن يمتلك اليوم فرصة تاريخية ليصبح إحدى أهم وجهات الحج المسيحي في العالم، انطلاقاً من نهر الأردن، الموقع الذي شهد عماد السيد المسيح وبداية الرسالة المسيحية.

ويقول لـمجلة أنوفيا بأن ”  الأردن لا ينقصه شيء ليصبح واحدة من أهم وجهات الحج المسيحي في العالم. هذه الأرض تحمل الرسالة، وتحمل السلام، وتحمل الذاكرة الروحية الحقيقية للمنطقة “.

لكن الأب سويد لا يتحدث عن السياحة بوصفها قطاعاً اقتصادياً فقط، بل كمشروع حضاري وروحي متكامل، يرى فيه قدرة الأردن على مخاطبة العالم بلغة مختلفة، في زمن بات فيه الإنسان يبحث عن “التجربة” والمعنى أكثر من مجرد السفر العابر.

” السائح اليوم لا يريد فقط أن يلتقط صورة ويرحل، بل يريد أن يعيش اختباراً روحياً وإنسانياً متكاملاً؛ أن يشعر بالمكان، وأن يعود وهو يحمل معنى جديداً “.

وأشار الأب سويد إلى أن الدور الذي تؤديه مجلة «أنوفيا» يتجاوز المفهوم التقليدي للترويج السياحي، ليصل إلى المساهمة في صياغة سردية وطنية وروحية تعكس صورة الأردن الحضارية والإنسانية، وكما اعتبر أن المجلة تعمل على تقديم الأردن بوصفه مساحة للسلام والحوار والتجربة الروحية، ضمن مشروع ثقافي وسياحي يحمل أبعاداً تتخطى الجانب الاقتصادي إلى بعد حضاري وإنساني أوسع.

في نهر الأردن، بدأت الحكاية.
بالنسبة للأب سويد، لا يمكن الحديث عن مشروع حج عالمي دون التوقف عند نهر الأردن، الذي يعتبره النقطة التي بدأت منها الرسالة،  فالمغطس، كما يصفه، لا يحمل قيمة دينية فقط، بل يقدّم للزائر اختباراً روحياً حيّاً لا يزال يحتفظ ببساطته الأولى رغم مرور ألفي عام.


” ما يميّز الأردن أن الدولة حافظت على روح المكان. لم تحوّل المغطس إلى مساحة استهلاكية باردة، بل أبقته قريباً من طبيعته الأولى، وكأن الزائر يعود فعلاً إلى زمن يوحنا المعمدان “.

لكن الأب سويد يرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من مفهوم ” زيارة الموقع ” إلى بناء ” تجربة حج متكاملة “، على غرار التجارب العالمية الكبرى في فاطيما ولورد وسانتياغو دي كومبوستيلا.

ويشرح رؤيته قائلاً إن الحاج لا يجب أن يزور المكان فقط، بل أن يعيش رمزيته أيضاً؛ من اللباس الأبيض كرمز للنقاء، إلى الشموع والبخور والموسيقى وحتى الطعام المرتبط بالسردية الروحية.

” الحج في العالم يقوم على التجربة الحسية والروحية معاً. الناس تريد أن تشعر أنها دخلت في رحلة داخلية، لا مجرد رحلة سياحية “. 

وفي استحضاره لشخصية يوحنا المعمدان، يرى الأب سويد أن المنطقة بحاجة اليوم إلى خطاب روحي جديد يحمل معاني الرحمة والنقاء والسلام، بدلاً من الانقسام والخوف ويعتبر أن الأردن يمتلك القدرة على تقديم هذا الخطاب للعالم، انطلاقاً من جذوره الروحية الأصيلة.

وفي قلب هذه الرؤية، تبرز كنيسة مار شربل في عمّان، التي يعتبرها الأب سويد محطة أساسية ضمن الخارطة الدينية والسياحية في المملكة، خصوصاً في ظل الارتباط الروحي الكبير الذي يجمع اللبنانيين بالقديس شربل.

 ” هناك غَرام لبناني حقيقي بالأردن، واللبناني عندما يأتي إلى كنيسة مار شربل يشعر وكأنه ما زال متصلاً بجذوره الروحية والثقافية “.

ويشير إلى أن الكنيسة لم تعد مجرد مكان للصلاة، بل تحوّلت إلى جزء من التجربة الروحية والسياحية للزائر، خاصة مع تصاعد الاهتمام بالسياحة الدينية في المنطقة.

” إذا نجحنا في إدخال كنيسة مار شربل ضمن الخارطة السياحية الرسمية، فإننا لا نضيف مجرد محطة دينية، بل نبني جسراً ثقافياً وروحياً بين الأردن ولبنان “.

ويستعيد الأب سويد صورة لبنان بوصفه بلداً ما تزال السياحة فيه قادرة على الصمود رغم الأزمات، معتبراً أن الأردن يستطيع بدوره أن يبني نموذجاً سياحياً وروحياً مختلفاً يعتمد على ” الرواية ” لا فقط على البنية التحتية.


” العالم لا يبحث فقط عن الفنادق والطيران، بل عن القصة والأردن يملك واحدة من أقوى الروايات الروحية في التاريخ “.

وبحماسة واضحة، يكشف الأب سويد عن مشروع “يوبيل 2030″، الذي يعتبره فرصة استثنائية لإطلاق الأردن كوجهة حج عالمية. ويشير إلى أنه طرح بالفعل رؤية متكاملة على عدد من الجهات الرسمية والشخصيات الوطنية، من بينها مجلس الأعيان وسمو الأمير غازي بن محمد ورئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان.
“هذه الفرصة قد لا تتكرر. إذا لم نبدأ الآن، سنفقد لحظة تاريخية مهمة جداً.”

وتقوم الفكرة على بناء مسار حج متكامل يبدأ من نهر الأردن ويمتد إلى جبل نيبو والمواقع الدينية الأخرى، ضمن تجربة تجمع بين الإيمان والثقافة والضيافة الأردنية.

كما يشدد الأب سويد على أن نجاح المشروع يحتاج إلى ” إيمان حقيقي ” بالرؤية، لا مجرد خطط تقليدية.

” الأردن يملك الرواية… وعليه أن يرويها للعالم بالطريقة التي تستحقها “.


ورغم حديثه المطوّل عن المواقع المقدسة والرؤية الروحية، يعود الأب سويد باستمرار إلى الشباب بوصفهم العنصر الحاسم في نجاح أي مشروع مستقبلي.


” الوزارات تضع الخطط، لكن من يصنع الصورة والرواية الحديثة هم الشباب. هم من يصنعون المحتوى، والفيديو، واللغة التي يفهمها العالم اليوم “.

ويكشف أن المشروع الذي يعمل عليه يتضمن إشراك الجامعات والمدارس والجمعيات الشبابية، بهدف إعداد جيل متخصص في السياحة الدينية وصناعة المحتوى الثقافي والروحي، مشيداً في الوقت ذاته بدور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، في تمكين الشباب الأردني وفتح المجال أمام طاقاتهم ومبادراتهم.

” ولي العهد يفهم لغة الشباب ويؤمن بقدراتهم، وهذه نقطة أساسية إذا أردنا فعلاً إطلاق مشروع بحجم الأردن.”

وفي نهاية الحديث، بدا واضحاً أن الأب جوزيف سويد لا يرى في السياحة الدينية مجرد قطاع اقتصادي أو نشاط موسمي، بل مشروعاً قادراً على إعادة تقديم الأردن للعالم من خلال هويته الروحية والثقافية والإنسانية.

وبينما تتنافس الدول على صناعة الجذب السياحي، يعتقد أن الأردن يمتلك ما هو أعمق من ذلك كله وهي ” الرواية “. رواية تبدأ من النهر، وتعبر التاريخ، وتحمل فكرة السلام والعيش المشترك والانفتاح، في منطقة تحتاج اليوم إلى هذه الرسائل أكثر من أي وقت مضى.

ويختتم  الاب سويد ” بأن الأردن لا يحتاج أن يخترع قصة جديدة ، القصة موجودة منذ ألفي عام… ما يحتاجه فقط هو أن يؤمن بها أكثر، وأن يرويها للعالم بالطريقة التي تستحقها “.