يفتح في علامة تبويب جديدة

جسور التفاهم.. أمسية الحوار بين الثقافات

أنوفيا – عمّان – في وقت تهيمن فيه النزاعات والاستقطاب والروايات المتنافسة بشكل متزايد على الخطاب العالمي، يبقى الحوار أحد القوى القادرة على تقريب الناس من بعضهم البعض.

وفي أجواء إتسمت بالحوار، استكشفت أمسية «جسور التفاهم: أمسية للحوار بين  أتباع الاديان»، التي نظمتها سفارة جمهورية قبرص في عمّان، أهمية الإصغاء والفهم والحفاظ على قنوات التواصل في أوقات عدم اليقين والصراعات، مؤكدةً القيمة المستمرة للحوار في عالم يزداد انقساماً.

وشهدت الأمسية كلمات افتتاحية لكل من سفير جمهورية قبرص في الأردن سيفاج أفيديسيان، والدكتورة رلى السماعين، الكاتبة والمتخصصة في الحوار بين الأديان في الأردن والشرق الأوسط، والباحثة القبرصية يوتا كوتولاس، حيث قدم كل منهم رؤية مختلفة حول الحوار بين الثقافات والتعايش.

وفي كلمته، أكد أفيديسيان أن عنوان الأمسية، «جسور التفاهم»،  يعكس حاجة ملحّة في عالمنا المعاصر.

وقال« ما نحتاجه اليوم هو بناء جسور بين الثقافات والأديان، وفي جوهر الأمر بين الشعوب».

وأشار إلى أن بناء الجسور يتطلب الصبر والجهد والوقت، إلا أن تدميرها يمكن أن يحدث «بسرعة لافتة».

وأقر السفير بأن مشاهد العنف والمعاناة التي تشهدها المنطقة قد تدفع البعض إلى التساؤل عن جدوى الحديث عن الحوار بين الأديان والثقافات في الوقت الراهن، إلا أنه اعتبر أن هذه الظروف الصعبة تجعل مثل هذه الحوارات أكثر إلحاحاً.

«إذا لم نتحدث عن هذه القضايا، وعن الحوار بين الأديان والثقافات، فما البديل».

وشكلت أهمية الاستماع إلى روايات الآخرين محوراً أساسياً في كلمته، مشدداً على أن «الطرف الآخر» لا ينبغي أن يُنظر إليه بالضرورة باعتباره خصماً، بل بوصفه شخصاً يحمل تجربة أو رؤية مختلفة.

واستشهد أفيديسيان بخطاب استمع إليه مؤخراً، قائلاً:

«إن نقيض الاختلاف ليس بالضرورة الاتفاق، بل الفهم».

وأضاف أن الفهم الحقيقي يبدأ عندما تتراجع حالة اليقين المطلق، ويعترف الإنسان بأن رؤيته قد لا تكون كاملة دائماً.

ومن بين الأفكار التي توقف عندها بشكل خاص بقوله « استمع إلى الآخر كما لو أنك قد تكون مخطئاً».

ورأى أن التعامل مع الحوار بهذه الروح المنفتحة يسمح للناس بتجاوز المواقف الجامدة والبدء في فهم بعضهم البعض.

وفي استحضاره للتجربة القبرصية، أشار إلى أنه رغم مرور أكثر من خمسة عقود على الانقسام في الجزيرة، فإن القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك تمكنوا من الإبقاء على قنوات التواصل مفتوحة.

وأوضح أن هذا الحوار أتاح للطرفين إدراك ليس فقط نقاط الاختلاف، بل أيضاً القواسم المشتركة التي تجمعهما.

«من الضروري أن يتحدث الطرفان وأن يستمع كل منهما إلى الآخر، وأن يفهما رواية الطرف الآخر، وأن يحترما وجهة نظره ويعترفا بها.»

 ومع اقتراب انتهاء الرئاسة القبرصية لمجلس الاتحاد الأوروبي التي استمرت ستة أشهر، وصف أفيديسيان الأمسية بأنها مساهمة ذات معنى في تعزيز التفاهم بين الثقافات والاحترام المتبادل.

من جانبها، قدمت يوتا كوتولاس شهادة شخصية عميقة حول ما تعنيه هذه الجسور على أرض الواقع. واستناداً إلى إقامتها البحثية التي امتدت ثلاثة أشهر في الأردن، قدمت ليس فقط ملاحظات أكاديمية، بل شهادة إنسانية عن الضيافة والتماسك الاجتماعي والعلاقات الإنسانية.

وأوضحت أنها وصلت إلى الأردن حاملة دفاتر الملاحظات وبرامج المقابلات وأسئلة البحث المتعلقة بتطور واستمرارية الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية.

إلا أنها لم تكن تتوقع أن يصبح الأردن نفسه أحد أهم نتائج بحثها.

وقالت «جئت باحثةً أبحث عن الأدلة، وأغادر وأنا أحمل تلك الأدلة وأكثر من ذلك بكثير».

 وبعد زياراتها إلى عمّان ومادبا والسلط والبتراء وجرش، ولقائها برجال دين وأكاديميين وطلبة ومواطنين عاديين، خلصت إلى أن الأردن يمثل نموذجاً حياً للتعايش.

«بوصفي باحثة دكتوراه، فإن بحثي يؤكد أن الأردن يمثل نموذجاً للحوار بين الأديان والتماسك الاجتماعي. كثير من الدول تتحدث عن التعايش، أما الأردن فيعيشه».

ورأت كوتولاس أن الدليل الأقوى لا يكمن في السياسات أو البيانات الرسمية، بل في طيبة الأردنيين اليومية، مستذكرة لقاءات مع أشخاص غرباء قدموا المساعدة والضيافة والكرم دون انتظار أي مقابل.

«إحدى الطالبات الجامعيات أخرت طريقها إلى الامتحان لمساعدتي في العثور على وسيلة نقل، بينما فوّت طالب آخر حافلته ليتأكد من وصولي إلى وجهتي بأمان».

وعند تأملها هذه المواقف تساءلت: «لماذا قد يذهب شخص إلى هذا الحد من أجل شخص غريب تماماً؟»

وأضافت أن الإجابة أصبحت واضحة تدريجياً: «هذا هو الأردن. لأن هذا الفعل الإنساني هنا هو أسلوب حياة».

وأكدت كوتولاس أن التماسك الاجتماعي لا يمكن قياسه فقط من خلال التقارير أو الأطر الأكاديمية، بل «في اللقاءات اليومية، وفي ما إذا كان الغريب أو الأجنبي يشعر بالأمان».

كما قادها بحثها إلى استكشاف التجربة الأردنية في الحوار بين الأديان، حيث التقت بعلاقات صداقة حقيقية بين المسلمين والمسيحيين، وبنماذج من العلاقات التي تتجاوز الانتماءات الدينية مؤكدة بأن «الإيمان جسر وليس حاجزاً».

وفي ختام كلمتها، وصفت الأردن ليس فقط موضوعاً للبحث الأكاديمي، بل مصدراً للأمل قائلة «لقد منحني الأردن أكثر من معرفة أكاديمية، لقد منحني الأمل. الأمل بأن التماسك الاجتماعي ممكن، وأن الحوار قادر على الانتصار على الانقسام، وأن اللطف ما زال مهماً».

أما الدكتورة رلى السماعين، الكاتبة والصحفية والحاصلة على جائزة صانع السلام، فقد قدمت الرؤية الأردنية للحوار بين الأديان والثقافات، معتبرة أن اللغة المستخدمة دولياً لوصف التعايش لا تعكس بصورة كاملة الواقع المعيش في المجتمع الأردني.

واستهلت كلمتها بالعبارة التي ترافقها في مشاركاتها الدولية:

«كلما دعيت للمشاركة في لقاءات دولية حول الحوار بين الأديان والثقافات، أبدأ بجملة تملؤني بالفخر: آتي إليكم من الأردن».

ووصفت الأردن بأنه «أرض النشامى، وأرض الكرم، وربما الأهم من ذلك أرض اللجوء»،  مؤكدة أن هذه الصفات ليست مجرد سرديات وطنية، بل انعكاس لقيم شكلت الهوية الأردنية عبر الأجيال.

وأشارت إلى أن الأردن استقبل لعقود طويلة الفارين من النزاعات والاضطهاد ، إلا أن دوره يتجاوز مسألة توفير الملاذ، موضحة أن المملكة، رغم مساحتها الجغرافية المحدودة، أصبحت صوتاً للاعتدال والحكمة والحوار في منطقة كثيراً ما تتسم بالانقسام.

«إن التأثير لا يقاس بالحجم، بل بالرؤية والقيم والقدرة على بناء الجسور بين الشعوب والثقافات».

وأكدت السماعين أن مفاهيم شائعة في النقاشات الدولية، مثل «التعايش»  و«العيش المشترك»، لا تعكس بشكل كامل التجربة الأردنية.

«يتعامل كثير من الأردنيين مع مصطلحات مثل التعايش والعيش المشترك بشيء من التحفظ، ليس لأنهم يرفضونها، بل لأنها لا تصفنا بالكامل».

وأضافت أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن لم تُبنَ تاريخياً على مجرد «التعايش»، بل على نسيج اجتماعي مشترك وتقاليد موحدة وإحساس جماعي بالانتماء.

مؤكدة بأنه «بالنسبة للأردنيين، الدين علاقة خاصة مع الله، أما التاريخ والتقاليد والثقافة وحب الوطن فهي أمور مشتركة».

واستحضرت من خلال الذاكرة الاجتماعية والعائلية صورة مجتمع احتفل فيه المسلمون والمسيحيون معاً، وحزنوا معاً، وشاركوا بصورة متساوية في بناء الدولة.

وأكدت أن الحوار في الأردن لم يُقدَّم عبر المؤتمرات أو المبادرات، بل ورثته الأجيال جيلاً بعد جيل.

«العيش المشترك ليس شيئاً تعلمه الأردنيون، بل هو شيء عاشوه».

كما تطرقت السماعين، وهي أيضاً مؤلفة كتاب «حصن السلام» الأكثر مبيعاً، إلى التنوع الثقافي المتزايد الذي تشهده العديد من المجتمعات نتيجة الهجرة والنزوح، معتبرة أن التقدم المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التفاهم المتبادل.

وقالت بأنه « لا يمكن بناء التقدم من خلال الهيمنة، بل من خلال المصالح المشتركة»،  وأشارت إلى أن التجربة الأردنية تقدم درساً مهماً لعالم يتزايد فيه الاستقطاب وتتصاعد فيه الهويات المتنافسة.

«في ظل القيادة الحكيمة لجلالة الملك عبدالله الثاني، برز الأردن كصوت عالمي يحظى بالاحترام في مجالات الاعتدال والحوار والتماسك الاجتماعي، معززاً قيم الحكمة والتسامح والقبول إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة».

وفي ختام كلمتها، رأت السماعين أن رسالة الأردن إلى العالم لا تتمثل في إزالة الاختلافات، بل في تحويلها إلى جزء من قصة وطنية مشتركة.

«بالنسبة لنا، فإن العيش المشترك ليس عنوان مؤتمر، ولا مبادرة سياسية، ولا مفهوماً أكاديمياً، بل هو ببساطة الطريقة التي عشنا بها دائماً».

وأكثر من كونه نقاشاً حول الحوار بين الثقافات، شكلت الأمسية التي جمعت دبلوماسيين وأكاديميين وصحفيين ورجال دين ومناصرين للحوار بين الثقافات والأديان، أن بناء الجسور بين الشعوب ما يزال أحد أكثر المهام إلحاحاً في عصرنا الحاضر.تذكيراً بأن التفاهم لا يتحقق من خلال الاتفاق وحده، بل من خلال الاستعداد للتفاعل مع تجارب الآخرين وتاريخهم ورواياتهم.