أنوفيا، عمّان – في مقابلة حصرية أجرتها مجلة أنوفيا مع سيباستيان، أحد أبرز النحاتين المكسيكيين المعاصرين في أمريكا اللاتينية، الذي أعاد تشكيل مفهومنا للمساحات العامة.
وُلد سيباستيان، واسمه الحقيقي إنريكي كارباخال غونزاليس، في تشيهواهوا بالمكسيك، ويُعتبر من أكثر النحاتين المعاصرين تأثيرًا في أمريكا اللاتينية، ويحظى بشهرة عالمية بفضل أعماله الهندسية الضخمة التي تحوّل الفولاذ والخرسانة إلى عناصر نابضة بالحياة في المدينة.
لا تقتصر منحوتاته على مجرد التواجد في المساحات العامة، بل تتفاعل مع العمارة والحركة والرياضيات والهوية المدنية، محوّلةً الشوارع والساحات اليومية إلى فضاءات حوار بين الشكل والناس الذين يمرون بها.
أنوفيا: أصبح تمثالكم الضخم «إل كاباييتو» أبرز أعمالكم الفنية وأكثرها شهرة على مستوى العالم. ماذا يرمز الحصان في فلسفتكم الفنية، ولماذا رأيتم أن عمّان هي المدينة المناسبة لتلقي هذا الرمز كهدية؟
سيباستيان: يمثل الحصان الحركة والطاقة والكرامة والحرية. فمنذ الحضارات القديمة، رافق الحصان مسيرة الإنسان بوصفه رمزاً للقوة الروحية والتحول. وفي حالتي، لا يسعى «إل كاباييتو» إلى تمثيل حيوان فحسب، بل إلى تجسيد قدرة الإنسان على التقدم نحو المستقبل مع الحفاظ على ذاكرته التاريخية.
عندما تجد منحوتة مكانها في مدينة ما، فإنها تتوقف عن أن تكون ملكاً للفنان وتبدأ بالانتماء إلى الناس. لقد رأيت أن عمّان مدينة ذات رمزية عميقة لاستقبال هذا العمل، لأن الأردن مكان تلتقي فيه عناصر التاريخ والروحانية والتقاليد والحداثة. هناك مدن تتحاور بطبيعتها مع الأعمال الضخمة ومع الذاكرة، وعمّان واحدة منها.
كما أرى أنه من المهم أن تصل هذه القطعة بوصفها بادرة صداقة بين المكسيك والأردن. فالفن العام يمكن أن يصبح جسراً صامتاً بين ثقافات قد تكون متباعدة جغرافياً، لكنها متقاربة إنسانياً وعاطفياً. وهذا هو الهدف من حضور هذه المنحوتة في عمّان.
وآمل حقاً أن يصبح «إل كاباييتو» في عمّان رمزاً دائماً للصداقة العميقة بين شعبينا؛ رمزاً يستمر عبر الأجيال بوصفه مساحة للقاء وتذكاراً دائماً لكل ما يمكن للمكسيك والأردن أن يواصلا بناءه معاً: الصداقة والتفاهم والإلهام المتبادل.

أنوفيا: غالباً ما تصبح المنحوتات العامة جزءاً من هوية المدينة وذاكرتها الجماعية. وعندما تتصورون منحوتتكم في عمّان بعد سنوات طويلة، ما نوع الحوار العاطفي أو الثقافي الذي تأملون أن تخلقه سواء بين الأردنيين أو الزوار؟
سيباستيان: لطالما اعتقدت أن المنحوتات العامة تشبه سكاناً دائمين للمدينة. فمع مرور الوقت، تتوقف عن أن تكون مجرد «عمل فني» وتصبح أماكن للقاءوذكريات شخصية ومرجعيات عاطفية.
أتمنى أن يثير هذا العمل الفضول والتأمل والشعور بالانتماء. وأن يكبر الأطفال وهم يرونه ويشعرون بأنه جزء من مشهدهم اليومي. وأن يتذكره الزوار بوصفه صورة لا تنفصل عن عمّان. كما أتمنى أن يجد الأردنيون فيه حضوراً منفتحاً على الحوار الثقافي.
إن الفن الضخم لا ينبغي أن يفرض إجابات، بل أن يفتح باب التساؤلات. فإذا استطاعت منحوتة أن ترافق حياة مدينة لعقود، فإنها لم تعد ملكًا للنحات وحده، بل تصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية.
أنوفيا: تقيم أعمالكم رابطاً فريداً بين النحت والرياضيات والعمارة والفضاء الحضري. كيف تتعاملون مع العلاقة بين النحت والعمارة عند تصميم عمل مخصص لمدينة نابضة بالحياة وليس لقاعة عرض؟
سيباستيان: المدينة كائن حي، ولذلك لا يمكن فصل المنحوتة عن البيئة التي ستوجد فيها. فأنا أدرس دائماً المحيط المعماري، وحركة الناس، والضوء، والنِّسب الحضرية، وحتى الإيقاع الذي تتحرك به المدينة.
بالنسبة لي، الهندسة ليست شيئاً جامداً أو بارداً، بل هي شكل من أشكال التناغم الكوني. فالرياضيات تحمل في داخلها شعراً خاصاً بها. وعندما أستخدم البُنى الهندسية، أسعى إلى خلق توترات بصرية تتحاور مع الفضاء المعماري ومع حركة المدينة.
في قاعة العرض، يعيش العمل الفني داخل مساحة محمية. أما في المدينة، فإن المنحوتة تتعايش مع المناخ والضجيج والتاريخ وحركة المرور والمشاعر الإنسانية. وهناك تحديداً تنبض بالحياة الحقيقية.
أنوفيا: في حال سبق لكم زيارة عمّان أو الأردن، ما الذكريات أو الانطباعات التي تحتفظون بها عن قرب؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الصورة أو التصور الذي تكون لديكم عن الأردن من خلال التاريخ أو الثقافة أو الأحاديث؟
سيباستيان: على الرغم من أن لكل تجربة شخصية أبعادها الخاصة، فقد نظرت دائماً إلى الأردن بوصفه أرضاً ترتبط ارتباطاً عميقاً بتاريخ الإنسانية واستمرارية الحضارات. فهو بلد يحتل مكانة رمزية بين الشرق والغرب.
كما يلفت انتباهي كثيراً ذلك الارتباط القائم بين الطبيعة والحجر والذاكرة التاريخية. فهناك أماكن في العالم يشعر الإنسان فيها بأن الزمن ما يزال مرئياً، والأردن من بين تلك الأماكن. فالبتراء والصحراء والعمارة القديمة والتقاليد الثقافية تمنح إحساساً بالاستمرارية والكرامة التاريخية.
كما أرى أيضاً روحاً كبيرة من الضيافة الإنسانية واحتراماً عميقاً للثقافة، وهو ما يجعل الفنان يشعر بالقرب والانتماء حتى قبل أن يصل إلى المكان.
أنوفيا: يبدأ كثير من الفنانين بالموهبة، لكن قلة منهم فقط ينجحون في تحويل هذه الموهبة إلى لغة فنية عالمية. وعند النظر إلى مسيرتكم، ما اللحظات الحاسمة التي شكّلت شخصية سيباستيان كفنان وصقلت رؤيته على مرّ السنين؟
سيباستيان: أعتقد أن إحدى أهم اللحظات كانت اكتشاف أن الفن يمكنه أن يتحاور مع العلم والرياضيات. فقد أدركت أن الهندسة لم تكن مجرد حسابات ومعادلات، بل يمكن أن تكون أيضاً إحساساً وتكوينًا وفكراً فلسفياً.
وكانت لحظة حاسمة أخرى هي إدراك مفهوم الأعمال ذات الحجم الضخم. فعندما يعمل النحّات من أجل الفضاء العام، يتوقف عن التفكير في نفسه فقط، ويبدأ بالتفكير في المجتمع والمدينة والزمن.
وفي هذا السياق، شكّل «إل كاباييتو» في مكسيكو سيتي دون شك محطةً مفصلية في مسيرتي الفنية. فقد مثّل تركيب هذا العمل عام 1992 في الموقع الرمزي الشهير بشارع باسيو دي لا ريفورما، حيث كانت توجد سابقاً تمثال الفروسية للملك كارلوس الرابع الذي أنجزه مانويل تولسا، تحولاً حقيقياً في مسيرتي. فلم يسهم فقط في تعزيز حضوري الدولي، بل أتاح لي أيضاً إدراك القوة الرمزية الهائلة التي يمكن أن تكتسبها المنحوتة العامة داخل هوية مدينة ما. ومنذ ذلك الحين أدركت أن العمل الفني الضخم يمكن أن يتجاوز صاحبه ويصبح جزءاً من الذاكرة الجماعية لملايين الأشخاص.
كما شكلت أسفاري واحتكاكي بثقافات مختلفة عنصرًا أسايًا في تشكيل رؤيتي. فالفن يتغير عندما يدرك الإنسان أن الأشكال يمكن أن تحمل دلالات مختلفة تبعاً للسياق الثقافي.
وبالطبع، فإن الصعوبات نفسها تُشكّل الفنان أيضاً. فالنقد والعقبات يدفعان الإنسان إلى تعزيز رؤيته الشخصية. وقد قلت مراراً إنني ما كنت لأصل إلى ما أنا عليه اليوم لولا المشكلات التي واجهتني على مر السنين، لأن الصمود بدوره يصقل الشخصية الإبداعية.
أنوفيا: تُعرف منحوتاتكم بقدرتها على تحويل الهندسة إلى شيء إنساني وعاطفي. كيف تتمكنون من تحقيق التوازن بين الدقة والهندسة من جهة، والخيال والحساسية الفنية من جهة أخرى في العملية الإبداعية؟
سيباستيان: بالنسبة لي، لا يوجد أي تناقض بين الهندسة والحساسية الفنية. فالعاطفة نفسها تمتلك بنية خاصة بها. والطبيعة ذاتها تعمل من خلال أنماط رياضية، ومع ذلك فهي تنتج الجمال.
عندما أبدأ العمل على منحوتة ما، تظهر أولاً حدسية شعرية؛ إحساس أو طاقة أو فكرة مكانية. ثم تأتي المرحلة العقلانية، حيث تتدخل الهندسة والفيزياء والهندسة التقنية لجعل تلك الرؤية ممكنة.
ينبغي أن تكون التقنية في خدمة العاطفة، وليس العكس أبداً. فإذا كان العمل محسوباً بدقة كاملة لكنه لا ينقل أي شعور إنساني، فإنه يتحول إلى مجرد جسم تقني. وأنا أسعى إلى أن تمتلك حتى أكثر الأشكال الهندسية طابعاً وذبذبة عاطفية.
أنوفيا: يحلم كثير من الشباب حول العالم بإنجاز شيء «ضخم» أو «استثنائي»، لكنهم يخشون القيود أو الرفض أو الفشل. ماذا تقولون لأولئك الحالمين الذين يحملون رؤى طموحة لكنهم ما زالوا يشكّون في إمكانية تحويلها إلى واقع؟
سيباستيان: سأقول لهم إن العظمة لا تبدأ من حجم العمل، بل من حجم الرؤية الداخلية.
فجميع المشاريع المهمة تبدو مستحيلة في بدايتها. وإذا انتظر الإنسان أن يمتلك يقيناً كاملاً قبل أن يبدأ بالإبداع، فلن يصنع شيئاً ذا قيمة حقيقية. فالخوف والرفض والفشل كلها أجزاء طبيعية من العملية الإبداعية.
لقد نشأت في منطقة صغيرة في شمال المكسيك، ولم أتخيل يوماً أن منحوتاتي ستصل إلى أماكن مختلفة من العالم. وما يحوّل الرؤية إلى حقيقة ليس الموهبة وحدها، بل المثابرة أيضاً.
فالفن يحتاج إلى الانضباط والخيال والقدرة على الصمود عاطفياً. ويجب على الإنسان أن يتعلم التعايش مع النقد دون أن يتخلى عن صوته الخاص. فالأفكار الكبرى غالباً ما تُقابل بالاستغراب قبل أن تُفهم.
وهناك أمر مهم جداً: لا ينبغي أبداً الخوف من التفكير بشكل كبير. فالخيال الإنساني يذهب دائماً إلى ما هو أبعد من حدود الحاضر.




