يفتح في علامة تبويب جديدة

قصر السبعة في القويسمة.. حين يتكلم الحجر

طلال السكر

مندوب إعلامي

أنوفيا – في الجنوب الشرقي من عمّان، حيث تتداخل المدينة الحديثة مع طبقات عميقة من

التاريخ، يقف أثر حجري يرفض أن يكون مجرد بقايا من زمن بعيد.

إنه ضريح القويسمة، المعروف بين الناس باسم قصر السبعة أو قصر السباع؛ مبنى روماني قديم ظل شاهدًا على قرون تعاقبت، وإمبراطوريات صعدت ثم انحنت أمام الزمن.

ليس قصرًا بالمعنى الذي توحي به الكلمة، ولا حصنًا عسكريًا، بل ضريح جنائزي روماني يعود إلى القرن الثاني الميلادي، كان مدفنًا عائليًا احتضن أفرادًا من أسرة واحدة. ومع مرور القرون، منحت هيبته المعمارية وموقعه وتسمية الناس له مكانة خاصة في ذاكرة عمّان.

هذا ليس مجرد حجر قديم.

هذا تاريخ قائم على الأرض.

من فيلادلفيا إلى القويسمة

حين شُيّد الضريح، كانت عمّان تُعرف باسم فيلادلفيا، وكانت جزءًا من العالم الروماني الذي ترك بصماته العميقة في بلاد الشام.

في ذلك الزمن، كانت الطرق تعبر المنطقة، والتجارة تتحرك بين المدن، وكانت العائلات تشيد مدافنها خارج المراكز السكنية. ولم تكن القبور مجرد أماكن لدفن الموتى، بل كانت تعبيرًا عن مكانة الأسرة وذاكرتها ومعتقداتها ونظرتها إلى الموت والخلود.

وفي هذا السياق ظهر ضريح القويسمة، ليكون مكانًا تحفظ فيه الأسرة ذكرى موتاها، وتُمارس فيه الطقوس المرتبطة بتكريم الراحلين.

وبقي المبنى واقفًا بينما تغير كل شيء حوله.

تبدلت أسماء المدن، وسقطت إمبراطوريات، وتغيرت طرق التجارة، وجاءت عصور جديدة، لكن الحجر ظل يحمل ذاكرة العصر الذي بُني فيه.

عمارة تحمل هيبة الزمن

لا يعتمد الضريح على ضخامة القصور ولا على أبراج التحصين. قوته في بساطته وصلابته.

المبنى مستطيل الشكل، تعلوه قبو أو سقف برميلي، ويقع مدخله في الجهة الشمالية. وقد تبدو هذه العناصر بسيطة للوهلة الأولى، لكنها بالنسبة إلى عالم الآثار تحمل دلالات تتصل بتقنيات البناء والوظيفة التي صُمم المبنى من أجلها.

ولم يكن الضريح قائمًا وحده؛ فمحيطه يضم قبورًا رومانية منحوتة في الصخر، إلى جانب شواهد أخرى تجعل الموقع جزءًا من مشهد جنائزي أوسع.

هنا يصبح الصخر نفسه وثيقة.

كل تجويف، وكل كتلة حجر، وكل أثر محفور في المكان يمكن أن يكون سطرًا من كتاب لم يُكتب بالحبر، وإنما كُتب بالحجارة.

لماذا سُمّي قصر السبعة؟

هنا يبدأ الجانب الأكثر إثارة في الحكاية.

ارتبط الموقع في الذاكرة الشعبية باسم قصر السبعة أو قصر السباع، وهي تسمية فتحت الباب أمام روايات وحكايات تناقلها الناس عبر الزمن.

وربطت بعض الروايات الشعبية الاسم بقصة أصحاب الكهف وعددهم السبعة، لكن هذا الربط ينتمي إلى دائرة الرواية الشعبية والتفسير المتداول، ولا يعني أن الضريح أثريًا هو نفسه موقع أصحاب الكهف.

وهنا ينبغي التمييز بين الرواية الشعبية وما تثبته الأدلة الأثرية؛ فالمبنى معروف أثريًا بوصفه مدفنًا رومانيًا يعود إلى القرن الثاني الميلادي.

ومع ذلك، تبقى التسمية الشعبية جزءًا من تاريخ المكان نفسه؛ فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، بل يعيش أيضًا في ذاكرة الناس والأسماء التي يطلقونها على الأمكنة.

التاريخ يعطي المكان حقيقته، والذاكرة الشعبية تمنحه حكاياته.

مقبرة عائلية تحت سماء فيلادلفيا

لم يكن الضريح شاهدًا على الموت فقط، بل كان شاهدًا على مفهوم العائلة والذاكرة لدى المجتمع الذي أنشأه.

فقد كان مدفنًا عائليًا يضم عدة مدافن لأفراد من الأسرة نفسها.

كان الموت بالنسبة إلى تلك المجتمعات انتقالًا لا يعني بالضرورة انقطاع العلاقة بين الأحياء والأموات؛ ولذلك ارتبطت الأضرحة والقبور بطقوس وزيارات وممارسات لتكريم الراحلين.

وحين نقف اليوم أمام هذا المبنى، فإننا لا نرى قبرًا فحسب، بل نرى أثرًا لعائلة اختفت أسماؤها من الذاكرة، بينما بقي بيت موتها قائمًا.

لقد غاب أصحاب القبور.

وغابت أسماؤهم.

وغابت الإمبراطوريات التي عرفوها.

لكن الضريح بقي.

شواهد أخرى حول الضريح

تزداد أهمية الموقع بما يحيط به من عناصر أثرية. فقد أشارت المصادر الأثرية إلى وجود آبار للمياه في المنطقة، كما عُثر على نقوش صفوية على بعض الحجارة، إلى جانب القبور والمنشآت الحجرية.

وتفتح هذه الشواهد نافذة على تاريخ أوسع من تاريخ الضريح نفسه، وتدل على أن المنطقة عرفت حضورًا بشريًا ونشاطًا خلال فترات مختلفة.

فالقويسمة ليست مجرد نقطة منفصلة عن التاريخ؛ إنها أرض مرت عليها جماعات وثقافات وحضارات متعاقبة، وتركت كل واحدة منها شيئًا من أثرها.

إنها طبقات من التاريخ فوق بعضها البعض.

عمّان التي لا نراها

حين نتحدث عن عمّان، غالبًا ما نتحدث عن المدينة الحديثة: شوارعها، مبانيها، أحيائها وأسواقها.

لكن تحت هذه الصورة الحديثة توجد عمّان أخرى.

عمّان التي عرفت الرومان، والتي شُيدت فيها المعابد والمسارح والمدافن، والتي كانت جزءًا من شبكة مدن كبرى في بلاد الشام.

وضريح القويسمة يذكّرنا بأن التاريخ لا يسكن وسط المدينة فقط.

أحيانًا يكون التاريخ مختبئًا على أطرافها، ينتظر من يلتفت إليه.

ولهذا فإن وجود أثر روماني في منطقة أصبحت اليوم جزءًا من النسيج العمراني لعمّان يذكّر بأن المدينة ليست وليدة العصر الحديث، وأن طبقات تاريخها تمتد إلى عصور قديمة سبقت شوارعها وأحياءها الحالية بقرون طويلة.

حين يتكلم الحجر

قد يمر شخص بجانب الضريح ولا يرى سوى بناء قديم.

لكن العين التي تعرف قيمة التاريخ ترى شيئًا آخر.

ترى عائلة جاءت إلى هنا قبل نحو ألفي عام.

وترى حرفيين قطعوا الحجارة وشيدوا المبنى.

وترى معتقدات عن الموت والحياة الأخرى.

وترى مجتمعًا كان يعيش في هذه الأرض قبل أن تتغير أسماء المدن والطرق والحدود.

وربما أعظم ما في قصر السبعة أنه لا يحتاج إلى الصراخ.

لا توجد فيه جيوش متحركة، ولا تيجان ذهبية، ولا قصور مترفة.

هناك فقط حجر.

لكن ذلك الحجر بقي شاهدًا حين اختفت الأصوات.

شهد زمن الرومان، ثم شهد العصور التي جاءت بعدهم. رأى المنطقة تتغير، والمدينة تكبر، والطرق تتبدل، والناس يرحلون ويأتون.

ومع كل ذلك بقي واقفًا.

حماية الحجر.. حماية الذاكرة

لهذا فإن حماية ضريح القويسمة ليست ترفًا ثقافيًا.

إنها حماية لذاكرة الأردن.

فالأوطان لا تُبنى بالمباني الحديثة وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بالذاكرة التي تحفظ جذورها، وبالمواقع التي تقول للأجيال الجديدة: هنا كان الإنسان، وهنا ترك أثره.

إذا ضاعت هذه المواقع، فلن نخسر مبنى قديمًا وحسب.

سنخسر جزءًا من القصة التي تشرح من نحن، وكيف أصبحت هذه الأرض ما هي عليه اليوم.

فهذا الضريح ليس ملكًا لزمن مضى فقط، بل هو جزء من الحاضر الذي ورثناه، ومن المستقبل الذي سنسلمه إلى أبنائنا.

خاتمة: أسطورة لا يمحوها الزمن

قصر السبعة ليس مجرد مبنى روماني قديم في القويسمة.

إنه لقاء بين التاريخ والحجر والذاكرة الشعبية.

هو ضريح بناه بشر عاشوا قبل نحو ألفي عام ليحفظ موتاهم، فإذا به يتحول بعد قرون إلى شاهد على حياتهم هم.

وهذه هي المفارقة الخالدة:

هم بنوا الضريح كي يتذكر الأحياء موتاهم، لكن الضريح نفسه جعل الأحياء يتذكرونهم بعد ألفي عام.

في قصر السبعة، لا تزال الحجارة واقفة.

والزمن وحده يعرف كم من الأسرار دُفنت معها.

أما نحن، فلا نملك سوى أن نقف أمامها ونصغي.

فربما كان الصمت أحيانًا أقدم من الكلام،

وربما كانت الحجارة أصدق مؤرخ بقي لنا من ذلك العالم البعيد.

وفي القويسمة، ما زال الحجر يتكلم.

فهل ما زلنا نعرف كيف نسمعه؟