يفتح في علامة تبويب جديدة

كنيسة الرسل في مادبا

كُرِّست للرسل المقدسين وخلّدتهم في نقشٍ إهدائي

مادبا، أنوفيا – على المنحدر الجنوبي لمدينة مادبا القديمة تقف كنيسة الرسل، أحد المعالم البيزنطية البارزة، بأرضيتها الفسيفسائية اللافتة التي تكشف أكثر بكثير من مجرد فضاء ديني فهي تمنحنا لمحة عن بيئة المدينة، وتقاليدها الفنية، وصلاتها بالعالم الأوسع.

لكن الكنيسة، كما أوضح خالد الهواوره، مدير مديرية آثار محافظة مادبا، ليست سوى فصل واحد من قصة استيطان بشري طويلة في المدينة.

قال «شهد تل مادبا استيطاناً بشرياً منذ عصور مبكرة جداً، بدءاً من العصر البرونزي نحو عام 3300 قبل الميلاد، مروراً بالعصر الحديدي، ثم الفترتين النبطية والرومانية، وصولاً إلى العصر البيزنطي»،  وأضاف بأن « مادبا كانت مدينة مزدهرة، تضم الكنائس والمباني المهمة، وتتمتع بتقليد فني راسخ».

ولا يزال هذا التقليد ظاهراً تحت الأقدام حتى اليوم.

اكتُشفت الكنيسة عام 1902 على يد الأب مانفريدي، كاهن الرعية الإيطالي في كنيسة اللاتين بمادبا، بينما بدأت التنقيبات العلمية فيها عام 1967. وتتبع الكنيسة مخططاً بازيليكياً، يضم ساحة خارجية وبئراً وثلاثة مداخل وأروقة جانبية وصحناً رئيسياً. إلا أن العمارة وحدها ليست ما يجعل هذا الموقع مميزاً.

وقال الهواوره بأن «ما يميز المواقع البيزنطية في مادبا هو أرضياتها الفسيفسائية»، مضيفاً أن «الفنان كان من أبناء مادبا، ولم يكن فناناً جرى استقدامه من الخارج.»

بل إن الفنان ترك اسمه على الأرضية الفسيفسائية: سلاميانوس، أو سلمان المادباوي.

وفي وسط صحن الكنيسة تظهر تجسيدة للبحر، وهي من أكثر صور الكنيسة لفتاً للنظر، تحيط بها الأسماك والكائنات البحرية. وتعود جذورها إلى العالم البصري الكلاسيكي الروماني، إلا أن الصورة هنا اكتسبت معنى مختلفاً.

وأوضح الهواوره بأن « الفنان استلهم فنه من الموروث الحضاري الروماني القديم، لكنه قدمه ضمن سياق فني مسيحي»، وأضاف « أصبح جزءاً من اللغة الزخرفية للفن المسيحي.»

ومن حولها، تفتح الفسيفساء نافذة على مادبا البيزنطية، حيث تنتشر صور الحيوانات والطيور والنباتات والزهور والأشكال الهندسية على الأرضية. وكان بعض هذه العناصر ينتمي إلى البيئة المحلية، فيما لم يكن بعضها الآخر، مثل الدلافين والكائنات البحرية، موجوداً فيها بطبيعة الحال.

وبالنسبة للهواوره ، فإن لهذه التفاصيل دلالة مهمة.

«هذا يدل على أن أبناء مادبا كانوا على اتصال بأماكن أخرى. فقد شاهدوا تلك الحيوانات والنباتات في مواقع أخرى، ثم نقلوا صورها إلى فن مدينتهم.»

كُرِّست الكنيسة للرسل المقدسين، وهو ما يؤكده نقشٌ إهدائي عُثر عليه في الموقع.

كما تضيف المصليات المجاورة طبقات أخرى إلى الحكاية، بما تحويه من فسيفساء تصور الحيوانات والأشجار والزهور والطيور، إلى جانب زخارف هندسية ونباتية دقيقة.

وعند النظر إلى الأرضية ككل، فإنها تصبح أكثر من مجرد تحفة أثرية. إنها سجل بصري لمادبا البيزنطية بوصفها مدينة مسيحية مزدهرة وفنية، شديدة الاتصال بالعالم الأوسع.

أضاف الهواوره «هكذا كانت مادبا في العصر البيزنطي؛ مدينة مزدهرة بطبيعتها وزهورها وكنائسها ومبانيها. وقد أراد الفنان أن ينقل هذه الصورة من خلال هذا العمل الجميل.»

واليوم، يسهم المبنى الواقي المحيط بالبقايا الأثرية في ضمان بقاء هذا السجل البصري الاستثنائي.

تحفظ كنيسة الرسل عالماً يفصلنا عنه قرون، لكن فسيفساءها تعيد مادبا البيزنطية إلينا بصورة مدهشة بأنها مدينة الايمان والفن، وعرف أهلها ما وراء حدود بيئتهم، ونقلوا ما رأوه من العالم الأوسع إلى الحجر.