الدكتور يوسف زريقات
مدير مركز أبحاث العهد القديم
لا يمكن فهم تاريخ الأردن فهمًا كاملاً دون دراسة الحضارات التي ازدهرت على أرضه وساهمت في التطور الديني والثقافي والاقتصادي للمنطقة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مدن الديكابولس، وهي شبكة قديمة من المراكز الحضرية اليونانية الرومانية التي امتد تأثيرها إلى ما وراء حدودها السياسية، والتي حُفظت أهميتها في كل من الكتابات التاريخية والعهد الجديد.
تعود تسمية “الديكابولس” (Decapolis) إلى كلمتين يونانيتين، هما “ديكا” بمعنى عشرة، و”بوليس” بمعنى مدين، وقد أُطلقت تقليدياً على مجموعة من عشر مدن تمركزت بصورة رئيسية شرقي نهر الأردن وجنوب شرقي بحيرة طبريا. وخلال العصرين الهلنستي والروماني، تطورت هذه المدن لتصبح مراكز مهمة للتجارة والإدارة والعمارة والتبادل الثقافي.

وعلى الرغم من شيوع وصف الديكابولس بأنها اتحاد ضم عشر مدن، فإن طبيعة تنظيمها السياسي وتحديد المدن المنضوية ضمنها لا يزالان موضع نقاش بين المؤرخين. غير أن الثابت تاريخياً أن هذه المدن تمتعت بدرجات متفاوتة من الاستقلالية في إدارة شؤونها، واشتركت في مظاهر الثقافة الحضرية اليونانية والرومانية، مع احتفاظها بروابط اجتماعية وثقافية مع المجتمعات السامية المحيطة بها.
وتبرز أهمية الديكابولس بصورة خاصة في ورود ذكرها في العهد الجديد، إذ يسجل إنجيل متى (4: 25) أن جموعاً كثيرة تبعت السيد المسيح من الجليل والمدن العشر وأورشليم واليهودية ومن عبر الأردن. وتحمل هذه الإشارة الجغرافية دلالة تتجاوز تحديد الأماكن، فهي تعكس اتساع نطاق رسالة المسيح وحركة الناس بين مناطق تنوعت فيها المعتقدات الدينية والتقاليد الثقافية.
ويقدم إنجيل مرقس إشارات أخرى تعزز هذه الصورة. ففي إنجيل مرقس (5: 20)، وبعد شفاء رجل في منطقة الجراسيين، انطلق الرجل ينادي في المدن العشر بما صنعه السيد المسيح من أجله. وتضع هذه الرواية الديكابولس ضمن النطاق الجغرافي الذي شهد البدايات المبكرة للتبشير بأعمال السيد المسيح. كذلك يذكر إنجيل مرقس (7: 31) مرور السيد المسيح في منطقة المدن العشر في طريقه نحو بحيرة الجليل، حيث شفى رجلاً أصمّ كان يعاني صعوبة في الكلام.
ولا تقتصر أهمية هذه النصوص على ذكر مواقع جغرافية بعينها، بل تكمن أيضاً في إبراز مدن الديكابولس بوصفها جزءاً من البيئة الاجتماعية والثقافية التي جرت فيها أحداث الأناجيل. كما تكشف عن عمق التواصل بين المجتمعات التي عاشت على ضفتي نهر الأردن وفي المناطق المجاورة، وعن طبيعة التفاعل الإنساني الذي تجاوز الحدود الجغرافية والدينية في تلك الحقبة.
ومن جانب آخر، تتيح المصادر التاريخية القديمة فهماً أوسع لهذه المدن ومكانتها. فقد أورد العالم والمؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر، في القرن الأول الميلادي، أسماء عشر مدن ضمن مؤلفه الموسوعي “التاريخ الطبيعي” وهي: سكيثوبوليس، وفيلادلفيا، وجدارا، وهيبوس، وجراسا، وبيلا، وديون، ورافانا، وكاناثا، ودمشق.
ومن اللافت أن بلينيوس نفسه أشار إلى اختلاف الكتّاب القدماء في تحديد المدن التي كانت تُعدّ جزءاً من الديكابولس.وتقع عدة مدن من هذه المجموعة داخل حدود المملكة الأردنية الهاشمية اليوم؛ ففيلادلفيا هي عمّان الحديثة، وجراسا هي جرش، وجدارا هي أم قيس، أما بيلا فتُعرف اليوم بطبقة فحل في منطقة الأغوار الشمالية. وتحفظ هذه المواقع شواهد أثرية غنية تعكس المستوى المتقدم الذي بلغته الحياة الحضرية آنذاك، بما فيها الشوارع المعمّدة والمسارح والمعابد والساحات العامة وشبكات المياه، إضافة إلى الكنائس التي شُيّدت خلال القرون اللاحقة.
كما تناول المؤرخ فلافيوس يوسيفوس مدن الديكابولس وعدداً من حواضرها في مؤلفاته، مقدماً شهادات تاريخية على أهميتها خلال الحكم الروماني. وتساعد كتاباته، إلى جانب مؤلفات بلينيوس والجغرافيين اللاحقين، على فهم الديكابولس بوصفها شبكة حضرية ذات ثقل تاريخي وإقليمي، لا مجرد مجموعة من المواقع الأثرية المتفرقة.
واللافت أن اهتمام بلينيوس لم يقتصر على الجغرافيا والتاريخ السياسي، بل امتد إلى الحياة الاقتصادية والزراعية. ففي كتابه “التاريخ الطبيعي” تناول بعض المنتجات الزراعية، وأشار تحديداً إلى زيتون الديكابولس، واصفاً إياه بصغر حجمه الشديد، حتى إنه قارنه بثمار القَبّار، مع الإشارة إلى قيمته وجودة لُبّه وملاءمته للاستهلاك المباشر أكثر من استخدامه في إنتاج الزيت.
وقد تبدو هذه المعلومة تفصيلاً صغيراً في سجل تاريخي واسع، لكنها تكشف جانباً مهماً من الحياة اليومية والاقتصادية في تلك المدن. فازدهار الديكابولس لم يكن قائماً على الصروح المعمارية والمنشآت العامة وحدها، بل استند أيضاً إلى الزراعة وإنتاج الغذاء والتبادل التجاري والأنشطة الاقتصادية لسكانها. كما أن ورود زيتونها في الأدبيات الرومانية يشير إلى أن المنتجات المحلية والهوية الزراعية للمنطقة كانتا جزءاً من شهرتها خارج حدودها قبل ما يقارب ألفي عام.
واليوم، يتيح إرث الديكابولس للأردن فرصة لتقديم قراءة أكثر تكاملاً لتاريخه الحضاري. فالمواقع الأثرية في جرش وأم قيس وعمّان وطبقة فحل لا ينبغي النظر إليها بوصفها وجهات سياحية منفصلة، بل فصولاً مترابطة من تاريخ حضاري شارك في صياغة التحولات السياسية والتجارية والدينية في الشرق الأدنى القديم.
ولا تقل أهمية عن ذلك الصلة الوثيقة بين هذه المدن والرواية الكتابية. فإدراك موقع الديكابولس ضمن الجغرافيا التي شهدت أحداث العهد الجديد يثري فهمنا لمكانة الأردن في التاريخ الأوسع للمسيحية، مع مراعاة التنوع التاريخي والديني الذي أسهم في تشكيل هوية المنطقة عبر العصور.
وتتجلى القيمة المستدامة لإرث الديكابولس في هذا التداخل بين التاريخ والإيمان والثقافة والحياة الإنسانية. فهذه المدن تذكّرنا بأن الأردن القديم لم يكن معزولاً عن الحضارات المحيطة به، بل كان شريكاً فاعلاً في تطورها، ومفترق طرق عبرت منه الشعوب والسلع والمعتقدات والأفكار، وأسهم في بناء جسور التواصل بين مجتمعات المنطقة.
ومن هنا، فإن الحفاظ على إرث الديكابولس وتفسيره وتقديمه للأجيال والزوار يتجاوز حدود المسؤولية الأثرية، ليصبح فرصة لإبراز إسهام الأردن التاريخي في تطور الحضارة الإقليمية، وربط الشواهد المادية الباقية من الماضي بالقصص الإنسانية والدينية والثقافية التي لا تزال تمنحها معناها وقيمتها حتى يومنا هذا.




