أنوفيا- متحف السيارات الملكي في عمّان يشكّل أحد أبرز المعالم السياحية والثقافية، إذ يقدّم تجربة تتجاوز حدود عرض المركبات الكلاسيكية النادرة إلى سردية بصرية متكاملة لتاريخ المملكة. فمن خلال السيارات الملكية التي ارتبطت بمحطات مفصلية في مسيرة الدولة، ينجح المتحف في أن يكون مرجعًا وطنيًا يوثق لحظات تاريخية وسياسية واجتماعية وإنسانية، ويعكس الإرث الهاشمي بوصفه جزءًا حيًا من الهوية الوطنية.
ويأتي هذا اللقاء ضمن ملف أنوفيا الخاص بالسياحة الثقافية في الأردن، الذي يسلّط الضوء على الدور المحوري للمؤسسات والمتاحف والتأكيد على أن السياحة ليست ترفيهًا فحسب، بل جسرًا للتواصل الحضاري والدبلوماسي.

أجرت المديرة التنفيذية لمجلة أنوفيا رلى السماعين حوارًا مع مديرة المتحف عايده عبده حول فلسفة المكان، والرسالة التي يسعى إلى إيصالها للأجيال الجديدة، ودوره في تعزيز صورة الأردن على الساحة الدولية.
أنوفيا: يُقال إن متحف السيارات الملكي ليس فقط مكانًا للعرض، بل “حوار حيّ بين الماضي والحاضر والمستقبل”، كيف تُترجم هذه الفكرة في التجربة التي يعيشها الزائر؟
عايده عبده: الفكرة تتجسد في الطريقة التي تُعرض بها السيارات؛ كل مركبة ليست مجرد قطعة كلاسيكية، بل هي بوابة لرواية تاريخية. على سبيل المثال، سيارة الملك المؤسس تُعرض ضمن سياق نشأة الدولة، بينما تروي مركبات أخرى محطات فارقة في مسيرة بناء الوطن، مثل التطور في البنية التحتية، والانفتاح على العالم، والنهضة الاقتصادية والاجتماعية. وبهذا، لا يعيش الزائر الماضي فقط، بل يرى كيف أن هذه اللحظات التاريخية أسست لمجتمع معاصر، وتُلهم الأجيال القادمة لصياغة مستقبلهم بروح واعية بهذا الإرث الهاشمي العريق.
أنوفيا: في كل سيارة قصة، وفي كل زاوية فصل من تاريخ الأردن المعاصر، كيف تم اختيار هذه اللحظات بدقة لتشكّل سردية بصرية متكاملة؟
عايده عبده: تم اختيار السيارات بعناية لتعكس محطات رئيسية في مسيرة الأردن السياسية والاجتماعية والإنسانية، حيث ترتبط كل مركبة بحدث تاريخي أو لحظة وطنية شكّلت ملامح الدولة. من بينها سيارات من مواكب التتويج الملكي، وزيارات رسمية مفصلية، واحتفالات وطنية مثل عيد الاستقلال، إضافة إلى مركبات وثّقت مناسبات خاصة كحفلات الزفاف الملكية، والجولات الميدانية التي قام بها ملوك الأردن في مختلف المحافظات. وتشمل السردية أيضًا سيارات شاركت في مؤتمرات عربية ودولية، وأخرى استُخدمت في استقبال رؤساء الدول، الوفود والجهات الرسمية، إلى جانب مركبات تحمل رمزية خاصة للعلاقة الوثيقة بين الملك الحسين والشعب الأردني، مثل سيارتي رحلتي العلاج، والسيارة التي شاركت في مراسم جنازته طيب الله ثراه. هذه اللحظات لا تُروى بالكلمات فقط، بل تُجسَّد بصريًا داخل المتحف، لتأخذ الزائر في رحلة زمنية تُبرز تطور الدولة، وعمق العلاقة بين القيادة والشعب، في إطار الإرث الهاشمي الراسخ.
أنوفيا: كيف ينجح المتحف في الحفاظ على أصالة تتجسد في المركبات المعروضة وفي الوقت ذاته تقديمها بروح عصرية تجذب الزائر الحديث؟
عايده عبده: في متحف السيارات الملكي، نحرص على الحفاظ على أصالة المركبات المعروضة، إذ لا تُعد هذه السيارات مجرد وسائل نقل، بل هي شواهد حية على محطات بارزة في تاريخ الأردن. لذلك نلتزم بالمحافظة على كل مركبة بحالتها الأصلية قدر الإمكان، مستخدمين قطعها الأصلية ودون أي تعديل، وذلك من خلال فريق مختص في صيانة وترميم السيارات الكلاسيكية. وفي الوقت ذاته، ندرك أهمية تقديم هذه المركبات بروح عصرية تواكب تطلعات الزائر الحديث، فنستخدم تقنيات عرض تفاعلية مثل الشاشات المرئية التي توفر معلومات تفصيلية ومقاطع فيديو، إلى جانب مؤثرات صوتية وبصرية تشمل صورًا وأصواتًا للملوك الهاشميين، توثق اللحظات التاريخية المرتبطة بكل سيارة. كما نعمل على تجديد المعروضات وتنظيم فعاليات متنوعة تلائم مختلف الفئات العمرية، مما يجعل تجربة الزيارة غنية ومتجددة وممتعة في آنٍ واحد.
أنوفيا: يبدو المتحف كمنصة لقراءة تاريخ الأردن من منظور ملكي وإنساني، ما الرسالة التي يسعى المتحف لغرسها في وعي الزائر، خاصة الأجيال الجديدة؟
عايده عبده: متحف السيارات الملكي ليس مجرد مكان لعرض المركبات، بل هو منصة روائية حية تُمكّن الزائر من استكشاف تاريخ الأردن من منظور ملكي وإنساني. تحمل كل مركبة قصة فريدة عن الشجاعة، والحداثة، والانفتاح، والارتباط الوثيق بين القيادة والشعب. من خلال هذه الروايات، نسعى إلى غرس رسالة واضحة في وعي الأجيال الجديدة، مفادها أن القيادة الحقيقية تقوم على القيم، والرؤية، والالتزام، وأن الهوية الوطنية تُبنى بالتراكم عبر أفعال ومبادئ متجذرة في الوعي المشترك. ليست هذه المركبات رموزًا للسلطة فقط، بل شواهد على لحظات إنسانية وتاريخية عميقة — من مبادرات السلام إلى الجولات الإنسانية والتواصل المستمر مع أبناء الوطن. ونحن نؤمن بأن لكل جيل دوره في مواصلة هذه المسيرة بثقة، وانتماء، وإدراك عميق لهويته، تحت ظل قيادته الهاشمية الحكيمة.

أنوفيا: في ظل التغيرات السريعة في العالم، كيف يحافظ المتحف على مكانته كمرجع للتاريخ، دون أن يفقد جاذبيته كوجهة سياحية متجددة؟
عايده عبده: في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم، يحرص متحف السيارات الملكي على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على أصالته التاريخية وتقديم تجربة عصرية وجذابة للزوار من خلال الابتكار وخلق تجارب جاذبة للزوار وشاشات تفاعلية. فالمتحف ليس مجرد مكان لحفظ القطع التراثية، بل هو مرجع تاريخي حيوي يروي تاريخ الأردن من خلال مركباته الملكية. لذلك، نعمل على توظيف التقنيات الحديثة وتنظيم فعاليات تعليمية وترفيهية متنوعة تستهدف جميع الفئات العمرية. كما نؤمن بأهمية التفاعل المباشر مع زوارنا، ونحرص على إشراك المجتمع المحلي والزوار الدوليين من خلال ورش العمل والجولات الإرشادية والفعاليات الخاصة التي تعزز الصلة بين التاريخ والتراث والجيل الحاضر. في الوقت نفسه، نولي عناية دقيقة بالمركبات لضمان الحفاظ على مكانتها التاريخية. ومن خلال هذا التوازن بين التراث والابتكار، نضمن استمرار المتحف كأحد المراجع الوطنية للتاريخ، وفي الوقت ذاته كوجهة سياحية متجددة تلهم الزوار وتثري معرفتهم بتاريخ الأردن.
أنوفيا: برأيكم، ما الذي يجعل متحف السيارات الملكي مختلفًا عن أي متحف مشابه عالميًا؟ هل هو في المعروضات، أم في الروح التي تسكن المكان؟
عايده عبده: يتميز متحف السيارات الملكي بكونه أكثر من مجرد مكان لعرض المركبات؛ فهو يجمع بين قيمة معروضاته وعمق القصص التاريخية التي ترويها كل مركبة. هذه المركبات ليست فقط قطعًا أثرية، بل فصول حية من تاريخ الأردن تمنح المتحف بعدًا إنسانيًا وتاريخيًا فريدًا. يقدم المتحف تجربة استثنائية تتيح للزائر التواصل العاطفي والفكري مع الماضي، من خلال عروض تروي القصص المرتبطة بكل مركبة بأسلوب ينبض بالحياة، وتهدف إلى تحفيز الزائر على التأمل في القيم والمبادئ التي شكّلت حاضر الأردن ومستقبله، بعيدًا عن الإطار الترفيهي البحت. وهذا ما يجعل المتحف مختلفًا عن باقي متاحف العالم.
أنوفيا: ما أهمية أن يحمل الأردن مثل هذا المتحف الذي يُظهر جانبًا راقيًا من التاريخ الوطني؟ وكيف يعكس ذلك صورة البلاد على الساحة الدولية؟
عايده عبده: يُعد متحف السيارات الملكي في الأردن من المعالم الثقافية ذات الأهمية البالغة على المستويين الوطني والدولي، إذ لا يسلّط الضوء على محطات تاريخية مهمة فحسب، بل يُجسّد أيضًا الجانب الحضاري من مسيرة البلاد. هذا المتحف يعكس صورة الأردن كدولة تجمع بين الأصالة والتقدم، ويُجسّد إمكانية تقديم التاريخ بطريقة عصرية تحفّز الإلهام لدى الأجيال القادمة وتستقطب الزوار من شتى الثقافات. عالميًا، يُبرز المتحف التزام الأردن العميق بالحفاظ على تراثه الوطني، مع تقديم سرد تاريخي متجدد يتماشى مع المعايير العالمية في مجال التصميم وإدارة المتاحف. كما يعكس الصورة الحقيقية للقيادة الهاشمية، التي لطالما ارتبطت بالحداثة والانفتاح مع الحفاظ على القيم الأصيلة، وهو ما يمنح الأردن مكانة فريدة بين الدول التي تحترم تاريخها وتقدّمه بأسلوب راقٍ ومؤثر. لذلك، فإن المتحف لا يخدم فقط الذاكرة الوطنية، بل يمثل أداة دبلوماسية ثقافية تعزز صورة الأردن على الساحة الدولية من خلال الرياضات والسباقات الدولية ولقاءات واحداث مع رؤساء دول وقادة عالميين وسياسيين ومؤثرين.
أنوفيا: إلى أي مدى يفتح المتحف أبوابه أمام التعاون مع وسائل الإعلام والمجلات الثقافية والسياحية العالمية مثل أنوفيا؟ وهل هناك استراتيجية لتوسيع دائرة الترويج عالميًا من خلال الشراكات الإعلامية؟
عايده عبده: نحن نؤمن بأهمية التعاون المفتوح مع وسائل الإعلام والمجلات الثقافية والسياحية العالمية، ونسعى إلى تعزيز حضور متحف السيارات الملكي عبر شراكات إعلامية استراتيجية تُسهم في توسيع دائرة الترويج على الصعيد العالمي. وقد تم التعاون بالفعل مع العديد من المحطات التلفزيونية العربية والأجنبية، بالإضافة إلى مجلات رياضية وثقافية عالمية، بهدف نقل تجربة المتحف وتسليط الضوء على قيمته التاريخية والثقافية. تهدف هذه الشراكات إلى تعريف العالم بالمتحف وتراث الأردن العريق، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم التاريخ والثقافة الأردنية لاستقطاب جمهور عالمي واسع ومتنوّع.









الصور مقدمة من نادي السيارات الملكي




