جواد سليم حدادين
كاتب في الشؤون الاجتماعية والتنموية
ما هي الثقافة في جوهرها؟
الثقافة هي التعبير الحي عن هوية الناس الذين يحملونها ويجسّدونها في فنونهم، ومقتنياتهم، ومأكولاتهم، وقصصهم، ومعتقداتهم الدينية، وتقاليدهم العائلية.
بعبارة أخرى، الثقافة هي الطريقة التي «نفعل بها الأشياء”
وهناك سمات مميزة تجعل الثقافة الأردنية تتفرّد عن غيرها.
الثقافة الأردنية هي ثقافة جماعية، على النقيض من الثقافات الفردية التي تركز على نجاح الفرد وإنجازاته. ففي الأردن، تُعدّ الإنجازات الجماعية هي محور الاهتمام الأكبر للعائلات والمجتمعات على حد سواء.
يعتزّ الناس بالعائلات والقبائل التي ينتمون إليها، وليس فقط بأسرهم الصغيرة. على سبيل المثال، يحرص الأردنيون على توثيق تاريخ عائلاتهم وأنسابهم التي تمتد لقرون، ويجدون متعة في إبراز إنجازات محددة تسهم في خدمة مجتمعاتهم ووطنهم ككل.
ومن أبرز السمات الاجتماعية في الأردن تكوين أماكن ىمخصصة يجتمع فيه أفراد العائلة الممتدة التي تدير شؤونها بنفسها، والمعروفة باسم “ديوان العشيرة”.
ولا تقتصر وظيفة هذه الدواوين على القضايا العشائرية فحسب، بل تُعدّ أيضًا مساحة للحوار والتلاقي الاجتماعي، حيث يجتمع الناس للتشاور في شؤون العائلة أو في قضايا التنمية المجتمعية الأوسع.
هذه المؤسسات المدنية تُعدّ مثالًا رائعًا على الثقة والتكافل وروح الرفاقية التي تنسج النسيج الاجتماعي الأردني.
ومن السمات الثقافية الأخرى التي يلمسها الزائرون عند وصولهم إلى الأردن تلك المتجذّرة في قيم اللطف والكرم. فالأردنيون يُتقنون فن الضيافة، ويعرفون جيدًا كيف يكرّمون ضيوفهم.
وفي ثقافة جماعية كالثقافة الأردنية، ليس من المستغرب أن يعرض عليك أحد المارة المساعدة في الطريق أو أن يقف لمساعدتك إن تعطلت سيارتك. فروح “السرعة” و الانانية “نفسي أولًا” لا وجود لها هنا؛ بل تسود روح “نحن”.
الأردنيون مستعدون دائمًا لمدّ يد العون متى ما استطاعوا، وأولوياتهم في الحياة ليست مهنية بقدر ما هي قناعة نابعة من الايمان ومحبة لخدمة الانسانية، فأسمى قيمهم تنبع من معتقداتهم الدينية، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، وهي قيم الرحمة، واللطف، والمغفرة، ومحبة القريب، والضيافة، ومساعدة الضعفاء، واستعادة الكرامة الإنسانية.
وإن قررت السفر إلى الأردن، فتوقّع أن تلتقي بأناس يعرفون كيف يعبّرون عن الحب والاحترام للآخرين، ويُظهرون الشجاعة عند الحاجة.
وفي الختام، لا بد أن نتوقف لتكريم حكومة الأردن ومنظماته المجتمعية والعائلات الأردنية على جهودهم الاستثنائية في استضافة ورعاية ملايين اللاجئين خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد فتح الأردنيون قلوبهم وبيوتهم للّاجئين الفارّين من ويلات الحروب في الدول المجاورة، ولولا هذه القيم الثقافية الفريدة المتجذّرة في وجدانهم، لكانت هذه المهمة شبه مستحيلة.
إن حب الأردنيين لاستعادة الكرامة الإنسانية، ومحبتهم لجيرانهم، ورغبتهم في إنقاذ الأرواح، هو ما جعل ذلك ممكنًا.




