يفتح في علامة تبويب جديدة

قلعة الكرك… حارس القوة والتراث وعبقرية العصور الوسطى

أنوفيا– تقف مدينة الكرك، الواقعة في موقع استراتيجي بين عمّان والبتراء، كإحدى أهم مدن جنوب الأردن التاريخية. ويرتبط اسمها ارتباطًا وثيقًا بالقلعة الصليبية–الإسلامية الشامخة التي تعلوها، وتُعد من أفضل الحصون المحفوظة في المنطقة، وتعود جذورها إلى حقبة الحملات الصليبية الأولى. 

تحتل القلعة هضبة مثلثة ترتفع نحو 900 متر فوق سطح البحر، فيما لا يزال قلب المدينة القديم محاطًا بالأسوار الصليبية الأصلية التي تتوّجها القلعة المهيبة الواقعة على الحافة الجنوبية للهضبة، والمشرفة على وديان مترامية.

تُعد القلعة الصليبية القديمة التي أعاد المماليك ترميمها وتطويرها لاحقًا، شاهدًا بارزًا على طبقات التاريخ الأردني. فقد شُيّدت عام 1142 في عهد “باغان الخادم” والملك فولك ملك القدس، بهدف إحكام السيطرة على منطقة شرق الأردن من خلال جدرانها الضخمة وأنفاقها المعقّدة وموقعها الدفاعي المرتفع. واكتسبت القلعة شهرتها في عهد رينالد دي شاتيون، الذي أثارت هجماته على القوافل التجارية وتهديداته لمكة غضب صلاح الدين. وقد أدت تلك التوترات إلى سلسلة من المواجهات انتهت بالحصار الشهير للقلعة عام 1188 وسقوطها بيد الأيوبيين، وهو حدث شكل محطة بارزة في تاريخ العصور الوسطى.

ومع صعود دولة المماليك، دخلت القلعة مرحلة جديدة من التطور المعماري والسياسي. ففي عهد السلطان الظاهر بيبرس عام 1264، خضعت القلعة لأعمال توسعة وتحسين ضخمة، شملت تعزيز الأبراج والأسوار، وبناء البرج الشمالي، ما جعلها مركزًا إداريًا وعسكريًا بالغ الأهمية. وتعكس هذه التحولات المتراكمة طبيعة القلعة بوصفها منشأة ديناميكية تشكلت على يد إمبراطوريات متعاقبة.

وتتكون قلعة الكرك من مستويين دفاعيين رئيسيين يفصل بينهما جدار داخلي ضخم. يضم المستوى العلوي أهم أبنية القلعة، ومنها الكنيسة الصليبية والبرج المملوكي والمجمعات السكنية والمسجد، وهي منشآت تجسد التحولات السياسية والثقافية والدينية التي مرت بها المدينة. أما المستوى السفلي، فيحتوي على دهاليز طويلة وقاعات مقببة تحت الأرض كانت تُستخدم للتخزين والإسطبلات والعمليات الدفاعية، ولا تزال حتى اليوم من أكثر أجزاء القلعة إثارة، لما تحمله من ملامح الحياة اليومية في العصور الوسطى.

وتبرز عبقرية البناء الدفاعي في القلعة من خلال عناصرها المعمارية الدقيقة، ومنها الجدران الحجرية البركانية السميكة المدعّمة بأبراج مستطيلة، والخنادق العميقة (أحدها كان يُستخدم كصهريج للمياه)، و”الغليسيس” المائل الذي صُمّم لإعاقة المهاجمين وحماية الأساسات من آلات الحصار. وتعتمد القلعة، بصفتها قلعة من نمط “سبير كاسل”، على طبوغرافية الهضبة، حيث تحميها الانحدارات الحادة من ثلاث جهات، مما يجعل الجهة الرابعة هي نقطة الهجوم الوحيدة الممكنة.

وتعكس أعمال المماليك لاحقًا مستوى عاليًا من الدقة، ولا سيما في برج بيبرس المنيع الذي يبلغ سُمك جدرانه 6.5 متر، فضلًا عن القصر المملوكي الذي يضم قاعة استقبال مفتوحة ومسجدًا يجسد الطابع المعماري الإسلامي.

وعلى عكس قلعة عجلون الأصغر حجمًا أو قلعة الشوبك التي تعرّضت للانهيار الجزئي، تمتد قلعة الكرك على سبعة مستويات مترابطة، ذات ممرات سرية وقاعات مقببة ومطابخ وإسطبلات وسجون وكنيسة صليبية وساحات مفتوحة. وفي الأيام الصافية، تمنح القلعة زوارها إطلالات واسعة تصل إلى البحر الميت وتمتد فوق وديان الجنوب الجبلية، وهي ذات الإطلالات التي كان الحراس في العصور الوسطى يستخدمونها لمراقبة الأفق تحسبًا لقدوم الجيوش.

ويحتضن الطابق السفلي متحف الكرك الأثري الذي افتُتح عام 2004، ويضم مجموعة منتقاة من القطع التي تروي تاريخ المنطقة منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى الحقبة الإسلامية. وتُقدّم معروضاته تصورًا أعمق لمكانة الكرك وقلعتها في سياق الإرث الحضاري للأردن.


وتبرز في قلعة الكرك مجموعة من التقنيات المعمارية اللافتة التي تعكس تداخل التأثيرات الصليبية والمملوكية، ومن أهمها:

• التحصينات:
جدران حجرية بركانية سميكة مدعّمة بأبراج مستطيلة، إضافة إلى خنادق عميقة (كان أحدها يُستخدم كصهريج للمياه)، وغليسيس دفاعي مائل صُمّم لإعاقة تقدم المهاجمين.

• البناء الحجري:
مزيج من الحجارة الصليبية المعروفة بنمط “الدرافت” ذات الحواف المصقولة والمراكز الخشنة، إلى جانب ترميمات مملوكية لاحقة استخدم فيها الحجر الجيري، مما يبرز الفروق بين المدرستين المعماريتين.

• التخطيط الداخلي:
سبعة مستويات مترابطة تضم قاعات مقببة، وغرفًا وممرات ومعارض تحت الأرض وساحات مفتوحة، تعكس صرامة العمارة الصليبية من جهة، والدقة الإدارية المملوكية من جهة أخرى.

• الإضافات المملوكية:
برج بيبرس الضخم الذي يبلغ سُمك جدرانه 6.5 متر ويحتوي على مزاغل للرماة، إلى جانب القصر المملوكي الذي يضم قاعة استقبال مفتوحة ومسجدًا يعكس رقي العمارة الإسلامية في تلك الفترة.


Historically, Karak was governed by a mix of Muslim and Christian clans whose relations were largely cooperative despite occasional tensions. During his 1812 visit, the traveler Johann Ludwig Burckhardt estimated the town’s population at around 400 Muslim families and 150 Christian families. The Christian community comprised nine clans: Ma’ay’ah, Azzizat, Hejazin, Akkasheh, Zrayqat, Madanat, Beqaein, Halsa, and, Haddadin

وبينما كانت القلعة حصنًا يحمي ممتلكات مملكة القدس اللاتينية، فإنها اليوم تستقبل الزوار من مختلف أنحاء العالم، ممن يبحثون عن التاريخ والعمارة والمناظر الطبيعية. ورغم أن كثيرين يقصدونها أثناء رحلتهم على طريق الملوك القديم، إلا أن ما تحمله من عظمة معمارية وطبقات تاريخية تجعلها وجهة قائمة بذاتها، حيث لا تزال أصداء الصراعات القديمة والتبادلات الثقافية وعبقرية الهندسة تتردد بين حجارتها.

المراجع

  • Hugh Kennedy, Crusader Castles, Cambridge University Press, 1994.
  • Denys Pringle, The Churches of the Crusader Kingdom of Jerusalem, Oxford University Press, 1998.
  • R. Brown, Castles of the Holy Land, Thames & Hudson, 1989.
  • وزارة السياحة والآثار – أرشيف قلعة الكرك.
  • منشورات متحف الكرك الأثري، 2004.