رلى السماعين
أنوفيا – عمّان في مقابلة حصرية، قدّم وزير الإعلام السابق صخر دودين رؤية شاملة تعيد تعريف السياحة بوصفها منصة استثمارية وطنية متكاملة، ومنظومة عابرة للقطاعات، تضعها في صميم التخطيط الاقتصادي الحديث، بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تحصرها في إطار الخدمات الموسمية.
وأشار دودين إلى أن السياحة في الأردن تمثّل استثمارًا ذكيًا يقوم على رأس المال البشري قبل أي مورد آخر، مؤكدًا أن عقول الأردنيين هي الثروة الحقيقية للدولة.
ولفت إلى أن هذا القطاع، بما يتقاطع مع البنية التحتية والنقل والطاقة والتكنولوجيا والثقافة والضيافة، يستند إلى ما تتمتع به المملكة من تنوّع جغرافي ومناخي وثقافي استثنائي، يتيح للزائر خلال وقت قصير الانتقال بين بيئات مختلفة وحضارات متعاقبة وتجارب إنسانية متكاملة، ما يجعل الأردن وجهة قادرة على تقديم قيمة سياحية عالية ضمن مساحة جغرافية محدودة.
«السياحة لم تعد خدمة تُقدَّم، بل استثمار يُبنى…. كل دولار يُنفق في هذا القطاع يخلق سلسلة من القيم المضافة تمتد إلى الزراعة والخدمات والشركات الناشئة والتكنولوجيا، بما يعزّز الأثر الاقتصادي ويضاعف فرص العمل والعوائد الاجتماعية، ويجعل من السياحة محرّكًا حقيقيًا للنمو لا قطاعًا تابعًا له.”
وأكد أن نجاح أي مشروع سياحي أو استثماري يبقى مرهونًا بتوفر الاستقرار والأمن، إلى جانب وضوح تشريعي مستدام، معتبرًا أن الاستقرار القانوني شرط أساسي لبناء ثقة المستثمرين وضمان استدامة القطاع على المدى الطويل، وقال: “لا يمكن الحديث عن استثمار حقيقي في ظل تخبط تشريعي”
وفي ما يتعلق بالترويج، لفت دودين إلى تحوّل جوهري في أدوات التسويق السياحي، حيث لم يعد المطلوب تسويق الموقع بحد ذاته، بل تقديم قصة متكاملة خلفه. وأضاف “نحن (الاردن) لا نبيع مكانًا، بل نبيع سردية”، مشيرًا إلى أن نماذج مثل الحج المسيحي تُسوَّق اليوم كرحلة متكاملة ذات بعد روحي وثقافي وتجريبي، لا كمحطات منفصلة، وهو ما يتطلب هوية سياحية واضحة “وبراندينغ” قادرًا على مخاطبة العقل والوجدان معًا.
وشدّد دودين، وهوعضوأً في جمعية الاقتصاد السياحي، على الدور المحوري للإعلام السياحي المتخصص في ترسيخ هذه السردية، معتبرًا أن المنصات العامة غالبًا ما تكون موسمية ومحدودة التأثير، في حين تشكّل المنصات المتخصصة نافذة مستدامة على العالم، تخاطب جمهورًا دوليًا وتقدّم محتوى تحليليًا وتجريبيًا يعكس “الصورة المعاشة” التي يُراد للسائح أن يختبرها.
“السردية المستدامة تصنع حضورًا مستدامًا.”
واستحضر في هذا السياق تجارب دولية ناجحة في بناء الهوية السياحية، مشيرًا إلى النموذج الماليزي حيث اقترنت الدولة بهوية سمعية وبصرية موحّدة، موضحًا أن مجرد سماع شعار Malaysia Truly Asia يستحضر صورة الدولة فورًا في الذهن. وأضاف أن الأردن يمتلك رموزًا أقوى لا تقل حضورًا، وفي مقدمتها البترا، إحدى عجائب الدنيا السبع، مؤكدًا أن ذكرها يجب أن يقود الذهن مباشرة إلى الأردن.
وأوضح دودين أن بناء الصورة الذهنية لا يكتمل دون الاستعانة بمؤثرين قادرين على مخاطبة الجمهور المستهدف بلغته وثقافته، معتبرًا أن تحديد الأسواق بدقة شرط أساسي للنجاح.
كما ولفت إلى أن أسواقًا مثل أمريكا الجنوبية، ذات الغالبية الكاثوليكية، تُعد جمهورًا طبيعيًا لسياحة الحج المسيحي، وأن «كلمة قصيرة من شخصية عالمية مؤثرة بلغتهم قد تفتح قارة بأكملها»، مشيرًا إلى أن المقاربة ذاتها تنطبق على أسواق أخرى مثل روسيا، بما يتطلبه ذلك من فهم للخصوصيات الثقافية والدينية.
كما شدّد على ضرورة التعاون والتشبيك بين المنصات الإعلامية السياحية المتخصصة مثل أنوفيا والمؤسسات الرسمية، معتبرًا إياها أحد أذرع القوة الناعمة للدولة، في ظل حاجة الأردن إلى الوصول إلى أسواق بعيدة في أوروبا وأمريكا الجنوبية وروسيا والصين.
وقال إن العالم اليوم «يفكّر بصريًا وسريع الإيقاع»، ما يفرض التركيز على السرد الذكي عبر الفيديوهات القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تترسخ الرسائل المضمرة والمتكررة في الذهن بعمق ودون مباشرة.
وأكد دودين أن تنوّع أنماط السياحة في الأردن، من الدينية والعلاجية إلى الثقافية وسياحة المغامرات، يتيح بناء قصص فرعية متعددة ضمن إطار واحد متكامل، مشددًا في المقابل على أن الاستقرار والأمن يظلان الركيزة الأساسية لأي نشاط سياحي أو تعليمي أو علاجي.
ووصف الأردن بأنه نموذج للاستقرار السياسي، في ظل نظام ملكي متواصل منذ تأسيس الدولة، ما يمنح ثقة تلقائية بالبلد كمقصد آمن ومستقر، مضيفًا أن المجتمع الأردني، بتنوّعه الديني والثقافي والإنساني، يشكّل عنصر جذب إضافيًا يعزّز شعور الألفة ويخفف الغربة لدى الزائر.
كما لفت إلى أهمية إبراز التفاصيل الإنسانية البسيطة في السرد السياحي، من ثقافة الضيافة إلى الطعام التقليدي، مؤكدًا أن “الأردني بطبعه يفتح بيته وقلبه للضيف”، وأن هذه الصورة يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من الخطاب السياحي، واصفًا الأردن بأنه “بلد السلام والمحبة”، وهو معنى يتجلّى بوضوح في سياحة الحج المسيحي بوصفها تجربة روحية وإنسانية عابرة للأديان والثقافات.
وختم دودين بالتأكيد على الحاجة إلى إطار مؤسسي جامع للقطاع السياحي، في ظل تعدد الجمعيات المتخصصة، معتبرًا أن توحيد هذه الجهود تحت مظلة واحدة من شأنه أن يرسّخ رؤية شمولية، ويمنح القطاع صوتًا قويًا ومؤثرًا يعكس حجمه الحقيقي ودوره الوطني في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.




