يفتح في علامة تبويب جديدة

كهف عِراق الدب، معلم طبيعي وأثري في شمال الأردن

أنوفيا – في ظل تنامي الاهتمام العالمي بسياحة التجارب والسياحة التراثية، يقدّم شمال الأردن مواقع تجمع بين الجمال الطبيعي والعمق التاريخي. ومن أبرز هذه المواقع كهف عِراق الدب، الواقع في وادي الريان قرب بلدة جديتا في لواء الكورة، بين محافظتي إربد وعجلون، والذي يُعدّ من أكبر الكهوف الطبيعية في المملكة، ويمثل نقطة التقاء مهمة بين علم الآثار، والتراث البيئي، وإمكانات السياحة المستدامة.

ولا تقتصر أهمية الكهف على تكوينه الجيولوجي، بل تتعزز بما كشفته الاكتشافات العلمية التي تؤكد أنه شكّل مركزًا مبكرًا للاستيطان البشري. وتشير الأدلة الأثرية إلى أن السكن في الموقع يعود إلى العصر الحجري الحديث، واستمر خلال العصر النحاسي والعصر البرونزي، ما يضع الكهف ضمن سياق أوسع لحضارات المشرق المبكرة.

ويعكس الكهف العلاقة الممتدة بين الإنسان والبيئة الطبيعية في شمال الأردن. وفي مقابلة مع مجلة «أنوفيا»، أكد الدكتور أحمد الشريدة، رئيس جمعية التنمية للإنسان والبيئة، أن «الأبعاد الأثرية والبيئية للموقع تؤهله ليكون وجهة واعدة للسياحة البيئية المنظمة وأنشطة المغامرة المسؤولة».

وكشفت أعمال التنقيب التي أُجريت عام 1989 أن الكهف كان مأهولًا خلال فترة ما قبل الفخار من العصر الحجري الحديث. وعثر الباحثون على منشآت سكنية مشيّدة من الطين والحجارة، وأرضيات طينية، وموقد نار ضمن بناء دائري، وهي مؤشرات قوية تدل على أن الموقع استُخدم كمأوى شبه دائم وليس مجرد ملجأ مؤقت.

وقال الشريدة إن «الاكتشافات شملت أيضًا مدفنين بشريين أسفل أرضيات الكهف، إلى جانب مجموعة من الأدوات الحجرية مثل الشفرات الصوانية، ورؤوس السهام، وأدوات الطحن، والمطارق الحجرية»، موضحًا أن هذه المعطيات توفّر فهمًا أعمق لأنماط الحياة وأساليب المعيشة لدى مجتمعات ما قبل التاريخ، وتؤكد دور المناطق الجبلية والغابية في شمال الأردن كمراكز مبكرة للاستقرار البشري.

واليوم، يجذب كهف عِراق الدب محبي الأنشطة الخارجية، خاصة خلال فصل الربيع، حيث تنظم مجموعات مغامرة مدرّبة فعاليات إنزال جبلي من قمة الكهف التي يزيد ارتفاعها على 40 مترًا. ويصل الزوار إلى الموقع عبر مسار مشي يمتد لنحو ثلاثة كيلومترات من وادي الريان، ما يضيف بُعدًا حركيًا وتجريبيًا إلى تجربة الزيارة.

وفي إطار تطور القطاع السياحي في الأردن، الذي بات يدمج بين الآثار والطبيعة والمغامرة، يشكّل كهف عِراق الدب نموذجًا واضحًا لكيفية الحفاظ على التراث الطبيعي وتفسيره وتفعيله بصورة مسؤولة، بما يخدم الزوار المحليين والدوليين على حد سواء.