يفتح في علامة تبويب جديدة

السكرتير العام للتحالف الإنجيلي العالمي يدعو إلى تعزيز الحج المسيحي إلى الأردن

رلى السماعين

أنوفيا – عمّان، بالنسبة للقس الدكتور بطرس منصور، السكرتير العام للتحالف الإنجيلي العالمي، فإن الأردن أكثر بكثير من مجرد محطة على خريطة الكتاب المقدس؛ فهو أرض يلتقي فيها الإيمان بالتاريخ، وتتجسد فيها الشهادة المسيحية الحية ضمن مشهد جغرافي لا يزال يخاطب قلوب المؤمنين من مختلف أنحاء العالم.

 وقد زار منصور الأردن في نهاية شهر أيار الماضي، وهو أول فلسطيني عربي من مدينة الناصرة يتولى منصب السكرتير العام للتحالف الإنجيلي العالمي، الذي يضم في عضويته نحو 560 مليون مسيحي إنجيلي حول العالم،.

 وخلال مقابلة حصرية مع مجلة أنوفيا، تحدث بشغف عن الدور الفريد الذي تؤديه المملكة في مسيرة الحج المسيحي العالمية، وعن الإمكانات الكبيرة التي لا تزال غير مستثمرة بالكامل لتصبح الأردن واحدة من أبرز وجهات السياحة الدينية المسيحية في العالم.

ويرتبط منصور بالأردن بعلاقة شخصية وعميقة الجذور.

وقال: «للأردن مكانة خاصة في قلبي وحياتي. لقد زرت الأردن مرات عديدة حتى فقدت القدرة على إحصائها، سواء كسائح، أو من خلال علاقاتي مع الإخوة المسيحيين، أو حتى بحكم صلات القربى».

وأضاف أن زوجته عبير تشاركه هذا الارتباط بالمملكة، إذ اعتادا زيارة الأردن مراراً للاستجمام والراحة، فيما تتعزز هذه العلاقة أيضاً من خلال شقيقته سمر المتزوجة من أردني من عائلة السماوي.

إلا أن هذا الارتباط الشخصي لا يمثل سوى جانب من قناعته الأعمق بأن الأردن يحتل موقعاً فريداً في الرواية المسيحية.

ويرى منصور أن أهمية الأردن تتجاوز بكثير حدود المواقع المقدسة المنفردة.

«يقف الأردن عند تقاطع الذاكرة الكتابية والإيمان الحي»، مضيفاً: «فهو ليس مجرد خلفية جغرافية للأحداث المقدسة، بل جغرافيا حية يمكن فيها لمس النصوص المقدسة وتتبعها والتأمل فيها»

ومن وجهة نظره، تمثل المملكة مشهداً كتابياً  مسيحياً مترابطاً يتيح للمؤمنين اختبار أحداث الكتاب المقدس كرحلة روحية متواصلة تمتد من العهد القديم إلى الكنيسة الأولى. فمن موقع المعمودية في بيت عنيا عبر الأردن، حيث تعمّد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان، إلى جبل نيبو حيث وقف النبي موسى متطلعاً إلى أرض الميعاد، يمنح الأردن الحجاج فرصة للسير في محطات مفصلية من تاريخ الخلاص.

كما يشير إلى أم قيس، جدارا القديمة المطلة على بحيرة الجليل، باعتبارها شاهداً على أن أحداث الكتاب المقدس لم تقع في مواقع معزولة، بل ضمن فضاء جغرافي وروحي مترابط. وكذلك مدينة بيلا (طبقة فحل)، إحدى مدن الديكابولس، التي ما تزال شاهدة على حضور الكنيسة الأولى وصمودها خلال فترات الاضطهاد.

ويؤكد منصور أن الأهمية الكتابية للأردن لا تقتصر على العهد الجديد، بل تمتد ضمن سردية أوسع تبدأ بالعهد القديم وتستمر عبر تاريخ الكنيسة الأولى وما تلاه.

وقال «إن قصص موسى وإيليا ويوحنا المعمدان ومدن الملجأ والجماعات المسيحية الأولى كلها منسوجة في المشهد الأردني».

وأضاف بأن «هذا ما يصنع رحلة روحية استثنائية للحجاج الراغبين في تعميق فهمهم للكتاب المقدس».

ورغم أن الكنوز الأثرية الأردنية ما تزال تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، إلا أن منصور يرى أن أعظم ما يملكه الأردن لا يقتصر على المواقع المقدسة وحدها، بل يشمل أيضاً مجتمعاته المسيحية الحية.

«على الرغم من أن أعدادهم ليست كبيرة، فإن المسيحيين الأردنيين يشكلون جزءاً أصيلاً ومهماً من تأسيس الدولة، وما زالوا ركناً أساسياً من أركان الأردن الحديث».

ويرى أن الحج المسيحي ينبغي ألا يقتصر على زيارة المواقع الأثرية والتاريخية.

وأوضح قائلاً أن «من المهم ألا تقتصر تجربة الزائر على المواقع القديمة فقط»، مضيفاً بأنه «ينبغي للحجاج أيضاً أن تتاح لهم فرصة لقاء الحجارة الحية، أي مسيحيي الأردن الذين حافظوا على إيمانهم ووجودهم في هذه الأرض منذ فجر المسيحية».

ويعتقد أن مثل هذه اللقاءات تنقل السياحة الدينية إلى مستوى أعمق من الاختبار الروحي، إذ تتيح للزائر ليس فقط مشاهدة الأماكن التي شهدت أحداث الكتاب المقدس، بل أيضاً التعرف إلى المجتمعات التي ما تزال تحمل هذا الإرث وتعيشه حتى اليوم.

وأكد منصور أن تعزيز مكانة الأردن كمقصد للحج المسيحي يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الجهات السياحية والمؤسسات الحكومية والكنائس والمجتمعات المحلية.

«أعتقد أن التعاون بين مختلف الهيئات والوزارات المعنية بالسياحة يشكل عاملاً أساسياً في بناء قطاع سياحي قوي وقادر على استقطاب المزيد من الزوار».

وأضاف أن القيادات الدينية تتحمل بدورها مسؤولية توفير بيئة ترحيبية للحجاج، وعدم السماح للخلافات اللاهوتية المحدودة بأن تؤثر على الهدف الأكبر.

«يجب أن يبقى التركيز منصباً على مساعدة الحجاج على إعادة التواصل مع إيمانهم أثناء سيرهم في المواقع الكتابية ولقائهم بمؤمنين حافظوا على شهادتهم المسيحية عبر الأجيال».

وأشار إلى أن هذا النهج ينسجم مع الصورة التي رسخها الأردن على مدى عقود باعتباره نموذجاً للتعايش والضيافة والاعتدال الديني.

ويعتقد منصور أن الأردن يمتلك فرصة استثنائية للتواصل مع المجتمع الإنجيلي العالمي، الذي يُعد أحد أكبر التجمعات المسيحية على مستوى العالم.

ورغم إشادته بنجاح المملكة في الترويج لوجهات بارزة مثل البترا ووادي رم والبحر الميت، إلا أنه يرى أن الإمكانات الكامنة للسياحة الدينية المسيحية ما تزال أكبر بكثير مما يتم استثماره حالياً.

«ما نحتاج إليه هو استراتيجية مدروسة تُنفذ باحترافية، وقادرة على الاستفادة من الإمكانات الهائلة التي يمثلها المسيحيون حول العالم».

وكشف أن القيادات الإنجيلية أعربت بالفعل عن استعدادها لدعم جهود الأردن في هذا المجال خلال لقاءات عقدتها مع وزارة السياحة والآثار في وقت سابق من هذا العام.

وأشار إلى أن توقيت هذه الجهود يحمل أهمية خاصة.

فالأردن مقبل على محطات مسيحية تاريخية مهمة، من بينها احتفالات الألفية الثالثة لمعمودية السيد المسيح، إضافة إلى مناسبات مرتبطة بانطلاق الرسالة المسيحية وانتشارها بعد صلب السيد المسيح وقيامته وصعوده.

«تشكل هذه المناسبات فرصة استثنائية لتعزيز حضور الأردن على خريطة الحج المسيحي العالمية».

ويرى منصور أن جاذبية المملكة تكمن في قدرتها الفريدة على الجمع بين الآثار واللاهوت والتاريخ والإيمان الحي في وجهة واحدة متكاملة.

ففسيفساء الأردن البيزنطية، وأنهاره المقدسة، وكنائسه التاريخية، ومواقعه الكتابية، كلها تروي قصة تمتد عبر آلاف السنين. إلا أن العنصر الأهم، بحسب منصور، يتمثل في الناس الذين ما زالوا يحافظون على هذه القصة ويعيشونها حتى اليوم.

ويتطلع إلى مستقبل يُنظر فيه إلى الأردن ليس كمجموعة من مواقع الحج فحسب، بل كتجربة روحية متكاملة قادرة على إلهام المؤمنين من مختلف أنحاء العالم.

«الأردن هو تعليم حي للإيمان. إنه مكان تنبض فيه الرواية الكتابية بالحياة، ويتجدد فيه الإيمان، ويستطيع الحجاج أن يلتقوا فيه بتاريخ المسيحية وبالمجتمعات التي ما تزال تحمل هذا الإرث وتواصله عبر الأجيال»