بلجيكا والأردن… جسور تبنيها السياحة

الأربعاء, أكتوبر 29, 2025

*رلى السماعين

عمّان – تقف السياحة اليوم كأحد أكثر أشكال الدبلوماسية الحديثة فعالية، إذ تمثّل جسرًا إنسانيًا يصل بين الشعوب والثقافات، متجاوزة حدود الحوار الرسمي.

ومن بين القلائل الذين يدركون هذا المفهوم بعمق، السفير البلجيكي سيرج ديكسشين، الذي يؤمن بأن السفر هو من أصدق الوسائل لبناء التفاهم المتبادل والصداقة الدائمة بين الأمم.

في مقابلة حصرية أجرتها مجلة “أنوفيا” في مقرّ السفارة البلجيكية، تناول السفير ديكسشين آفاق التعاون بين الأردن وبلجيكا، البلدين الغنيين بالإرث والتقاليد والقيم المشتركة، وإمكانية تعميق الروابط الثقافية والسياحية والإنسانية بينهما.

وقال السفير ديكسشين “من منظور أوروبي وبلجيكي، لدى الأردن الكثير ليقدّمه. الرحلة لا تتجاوز أربع ساعات بالطائرة، والطقس رائع، وهو أمر يجذب البلجيكيين الذين يسعون للهروب من الأمطار وظلمة الخريف المبكرة. إلى جانب ذلك، فإن الإرث التاريخي والثقافي للأردن فريد من نوعه، ويزخر بتجارب غنية تستحق الاستكشاف.”

يتحدث السفير بشغف عن الأردن كوجهة تتجاوز شهرتها بمعالمها الأثرية المعروفة.
ويضيف: “السياح هنا يمكن أن يكونوا حقًا بناة جسور؛ فعندما يزورون المجتمعات المحلية بعقل منفتح، يساهمون في كسر الصور النمطية واكتشاف عمق الثقافة الأردنية ودفئها وكرمها وتنوّعها.”

وأكد السفير أنّ السياح البلجيكيين يشعرون بالطمأنينة في الأردن، الذي وصفه بأنه بلد آمن ومسالم معروف بضيافته وبتقبّله للزوار من مختلف أنحاء العالم.

وعن أبرز ما يجذبه في الأردن، قال ديكسشين إن جمال البترا يتجاوز السيق والخزنة، وإن كل زيارة تكشف له شيئًا جديدًاز

“لطالما جذبني الصحراء، ففي اتساعها سكينة تأملية وقوة صامتة في ما قد يراه البعض فراغًا، لكنه في الحقيقة نابض بالحياة.”

وأشار إلى تنوع الصحراء الأردنية بين وادي رم ووادي عربة والسهول البازلتية الممتدة نحو العراق وسوريا، معتبرًا أن كل مشهد فيها يقدّم تجربة فريدة لا تُنسى. 

وأضاف “ولا يمكن إغفال روعة الشعب المرجانية في العقبة، التي تفوق التوقعات جمالًا وغنى. هذه الكنوز الطبيعية معًا ترسم لوحة مذهلة تميّز الأردن كأرض للجمال والتنوّع الفريد.”

وعند سؤاله عن الوجهات التي تستهوي الأردنيين، وصف السفير بلجيكا بأنها “بلد صغير بمساحة 30 ألف كيلومتر مربع، لكنه غني للغاية بالتجارب المتنوعة.”
وأوضح بأن  “بروكسل وبروج هما أشهر مدننا، فالأولى عاصمة أوروبا وحلف الناتو، والثانية جوهرة من العصور الوسطى. لكن هناك أيضًا مدن رائعة مثل غينت وأنتويرب ولييج، ومدن صغيرة آسرة كميخلين ونامور، كلها تزخر بالتاريخ والهندسة المعمارية والطابع الخاص.”

وأضاف أنّ بلجيكا تمثل بوابة إلى أوروبا وبأنه “يمكن لاي شخص الوصول بالقطار إلى باريس أو لندن خلال ساعات قليلة، مما يجعلها مركزًا مثاليًا لاستكشاف المنطقة.”

وأشار السفير إلى أن السياحة الغذائية تلعب دورًا مهمًا في تعزيز تجربة المسافرين، وهي شغف مشترك بين الأردن وبلجيكا.
وقال بأن “الطعام هو مرآة للثقافة، يروي قصة الأمة. وكما هو الحال في الأردن، فإن مشاركة الطعام في بلجيكا هي احتفال بالهوية والصداقة.”

وقد نظّمت السفارة البلجيكية في عمّان مؤخرًا فعاليات للتعريف بالشوكولاتة والمطبخ البلجيكي، وقد حظيت بإقبال واسع في الأردن.
وأضاف ديكسشين “لاحظت أن كثيرًا من السياح البلجيكيين لا يعرفون غنى المطبخ الأردني، لكنهم يندهشون حين يكتشفونه، ويعجبون بالمطاعم ومزارع العنب والنبيذ المحلية. زرتُ بعض تلك المزارع في الصحراء البازلتية قرب الحدود السورية، وكانت تجربة فريدة. لم أكن أعلم أن الأردن ينتج النبيذ، وهذه فرصة كبيرة لتسليط الضوء على تراث غذائي مميز يجذب الأوروبيين.”

وتحدّث السفير عن التزام البلدين بالسياحة المستدامة بوصفها ضرورة للحفاظ على الإرث الطبيعي والثقافي.
وقال بأنه “في الأردن مبادرات بيئية مميزة مثل وادي فينان ووادي الأردن، والطبيعة بالاردن فريدة من وادي الموجب إلى شعاب العقبة المرجانية. الحفاظ على هذا الإرث ضروري ليس فقط للسياحة، بل للأجيال القادمة، والتعليم والوعي هما المفتاح.”

وأشار إلى تزايد الطلب الأوروبي على السياحة الصديقة للبيئة، التي تراعي الطبيعة والمجتمعات المحلية.

وعن مستقبل التعاون، يرى السفير أن للسياحة المتخصصة، سواء الدينية أو الثقافية أو الفنية،  دورًا متناميًا في تعزيز التبادل بين البلدين.

وقال بأن “الأردن أرض مقدسة تحتل موقعًا مركزيًا في تاريخنا المشترك، وبلجيكا، كبلد كاثوليكي تقليدي، تشارك هذا الارتباط الروحي. مشاريع مثل ترميم مكاور بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي هي أمثلة على كيف يمكن للثقافة والإيمان أن يوحّدا الشعوب.”

كما يرى ديكسشين أن الفنون والموسيقى يمكن أن تكون جسورًا متجددة بين البلدين بقوله أن “الأردن يحتضن حفلات موسيقية في البترا والمسرح الروماني في عمّان، تجمع بين الإرث والإبداع. وبلجيكا بدورها غنية بتاريخ الفن والمهرجانات الموسيقية، وهذه مجالات يمكننا أن نتعلّم فيها من بعضنا البعض.”

ويختم السفير بالتأكيد على أن اللقاء والتبادل والمعرفة تفتح الأبواب بين الدول و بين القلوب أيضًا.

ومع ختام الحوار، يظلّ جوهر الرسالة واضحًا  بان السياحة هي في جوهرها رحلة نحو السلام، وفي عالم يزداد انقسامًا، تذكّرنا بلجيكا والأردن بأن السفر القائم على الاحترام يتجاوز حدود الاستكشاف، ليصبح فعل تواصل وإنسانية، يجعل من كل مسافر سفيرًا للتفاهم.

مؤسس ورئيس تنفيذي لمجلة “أنوفيا”