يفتح في علامة تبويب جديدة

الأردن في قلب الأرض المقدسة



مقابلة حصرية مع سفير الفاتيكان رئيس الأساقفة جيوفاني بيترو دال توسو 


رلى السماعين

أنوفيا-عمان  في الجغرافيا الهادئة للإيمان، ثمة أماكن تحمل ثِقلاً روحياً يتجاوز الحدود والقرون، ويُعدّ الأردن واحداً من تلك الأمكنة التي لا تُختزل فيها الذاكرة الكتابية في نصوص الأسفار المقدسة فحسب، بل تنقش حضورها عبر الجبال والوديان والمدن العتيقة. فمن مياه موقع المعمودية في المغطس،  بيت عنيا عبر الأردن، حيث يؤمن المسيحيون أن السيد المسيح تعمّد، إلى جبل نيبو حيث وقف النبي موسى متأملاً الأرض الموعودة، يقف الأردن بوصفه فصلاً أساسياً في سردية المسيحية.

ومع ذلك، كما يوضح رئيس الأساقفة جيوفاني بيترو دال توسو، السفير البابوي في الأردن، في مقابلة حديثة مع مجلة أنوفيا، فإن مكانة الأردن داخل مفهوم “الأرض المقدسة” لا تزال سردية آخذة في التشكّل في الوعي المسيحي العالمي.

بالنسبة للسفير البابوي، فإن نقطة الانطلاق واضحة: يجب فهم الأردن بوصفه جزءاً أصيلاً من الأرض المقدسة.

ويقول بأنه “من المهم جداً التأكيد على أن الأردن هو جزء من الأرض المقدسة”، مضيفاً أن “هذا الفهم يتيح لنا، من منظور ديني، أن نضع هذا البلد، هذه المملكة، في سياقها الروحي والتاريخي الصحيح”.
ويعود السبب، كما يشرح، إلى الأحداث الكتابية التي جرت على أرض الأردن، حيث تحمل أسفار العهدين القديم والجديد آثاراً متعددة لهذه الجغرافيا.
ويضيف بأن “النبي إيليا، الذي وُلد في هذه الأرض وصعد منها إلى السماء (كما جاء في الكتاب المقدس)، وموقع معمودية السيد المسيح في بيت عنيا عبر الأردن، وجبل نيبو حيث وقف النبي موسى على مشارف الأرض الموعودة”.
غير أن القدسية الدينية للمملكة لا تتوقف عند هذه المواقع المعروفة.
اشار رئيس الأساقفة إلى الأهمية الروحية لأم قيس، ذلك الموقع الذي يطل على بحيرة طبريا وسط طبيعة خلابة، والذي تذكره التقاليد المسيحية باعتباره مسرحاً لإحدى معجزات السيد المسيح.
“مثل هذه الأماكن تذكّر الزائرين بأن السردية الكتابية لم تجرِ في موقع واحد معزول، بل عبر منطقة واسعة ومترابطة، يشكّل الأردن أحد مسارحها الأساسية.”
وإلى جانب حضورها الكتابي، يحتضن الأردن طبقة أخرى من الأهمية التاريخية، تتصل بقصة الكنيسة الأولى نفسها.
فبحسب كتابات مسيحية مبكرة، يوضح السفير البابوي، شكّلت مدينة بيلا (طَبَقات فَحل في شمال غرب الأردن) ملاذاً للمجتمع المسيحي الأول بعد الاضطهادات التي شهدتها القدس، ما يضع الأردن ضمن السنوات التأسيسية للمسيحية، حين بدأ المؤمنون الأوائل بالبحث عن ملاذ آمن وتأسيس مراكز جديدة للإيمان.
وتؤكد الاكتشافات الأثرية هذه الحقيقة التاريخية.

فعبر مدن الأردن ومناطقه، تشهد الفسيفساء البيزنطية الدقيقة على حيوية المجتمعات المسيحية المبكرة، حيث ازدهرت الكنائس في هذه الأرض من الأرض المقدسة، تاركة آثاراً فنية ومعمارية تمنح الباحثين والحجاج على حد سواء لمحة عن تطور المسيحية في قرونها الأولى.
ويشرح رئيس الأساقفة قائلاً بأن ” الفسيفساء العديدة المكتشفة في أنحاء الأردن تشهد على أن الكنائس المسيحية الأولى كانت راسخة الحضور هنا. وهذه الفسيفساء دليل واضح على حيوية المجتمعات المسيحية المبكرة. لذلك فالأردن ليس مهماً فقط من منظور كتابي، بل هو أيضاً أساسي لفهم تاريخ الكنيسة وتطور المجتمعات المسيحية الأولى.”
غير أن تحويل هذا العمق التاريخي إلى تجربة حج معاصرة ذات معنى يتطلب عناية خاصة.

أشار السفير البابوي على أهمية أن يبقى الحج قبل كل شيء رحلة روحية، تجربة تدعو إلى التأمل وإعادة اكتشاف الإيمان المسيحي.
ويشير بتقدير إلى الجهود التي تبذلها الجهات الأردنية لتدريب المرشدين السياحيين على المعرفة الكتاب المقدس، بحيث تتجاوز زيارة المواقع المقدسة مجرد الوصف التاريخي لتصل إلى التفسير الروحي.
“أرى جهوداً مشجعة في هذا الاتجاه، وأعتقد أن هذا هو الطريق الصحيح للمضي قدماً.”
وفي السياق ذاته، تشجع المؤسسات الكنسية منظمي رحلات الحج في أوروبا والعالم الغربي على أن يرافق الحجاج كهنة أو أشخاص متمرسون في الدراسات اللاهوتية والكتاب المقدس، بما يساعد على الحفاظ على الجوهر الحقيقي للحج.
وتلوح في الأفق فرصة مهمة لتعزيز هذه السردية.

ففي عام 2030 سيُحيي العالم مرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح، وهو حدث تستعد الحكومة الأردنية بالفعل لإحيائه.
“في عام 2030 سنحيي الذكرى الألفية الثانية لمعمودية السيد يسوع المسيح، وهي فرصة استثنائية لتعريف العالم بالأردن على نطاق أوسع كمكان للحج.”
وقد عكست المبادرات الأخيرة زخماً متزايداً في هذا الاتجاه، ومن بينها المعرض الذي أقيم في الفاتيكان العام الماضي في روما تحت عنوان “الأردن: فجر المسيحية؟”، ويرى السفير البابوي أن مثل هذه المبادرات تعكس وعياً متنامياً داخل الأردن بأهمية الترويج لإرثه الديني.
وفي الوقت نفسه، يلاحظ أن معرفة الأردن كوجهة سياحية راسخة بالفعل في أوروبا والعالم الغربي، إلا أن التحدي اليوم يتمثل في ضمان أن يحظى البعد الروحي للحج بالاهتمام ذاته الذي تحظى به السياحة التقليدية.
ومن بين الأفكار الواعدة التي يطرحها السفير البابوي تطوير مسار حج مسيحي متكامل داخل الأردن؛ برنامج حج منظّم يتتبع أحداث العهد القديم والعهد الجديد وبدايات الكنيسة عبر المواقع المقدسة المنتشرة في المملكة.

“كثير من الحجاج الذين يزورون الأرض المقدسة لا يمددون إقامتهم في الأردن تلقائياً، وفي بعض الحالات يمرون عبره مروراً سريعاً”، ويضيف أن الأردن يضم تركيزاً لافتاً من المواقع المرتبطة بالعهدين القديم والجديد وكذلك بتاريخ الكنيسة المبكر.
“إن تطوير أسبوع كامل للحج المسيحي في الأردن سيمنح الزائرين فرصة لاختبار السردية المسيحية بصورة أكثر تكاملاً وترابطاً، وهم ينتقلون عبر الجغرافيا التي جرت فيها هذه الأحداث.”
ومن شأن هذا النهج أن يتيح للحجاج اختبار الأردن ليس بوصفه محطة عابرة في زيارة الأرض المقدسة، بل رحلة روحية متكاملة بحد ذاتها.
ومع ذلك، فإن الحج يحمل دلالة تتجاوز تجربة الزائر ذاته.

فبالنسبة لرئيس الأساقفة، يسهم أيضاً في تعزيز الرابط بين المجتمعات المسيحية المحلية والكنيسة العالمية.

“عندما يأتي الحجاج، يشعر المسيحيون هنا في الأردن وفي الشرق الأوسط بحضور المسيحيين من مختلف أنحاء العالم وقربهم. إنهم يشعرون بأنهم جزء من جسد أكبر، هو الكنيسة الجامعة.”
وهكذا يصبح اللقاء متبادلاً، فالزوار يعيدون اكتشاف جذور إيمانهم، بينما تختبر المجتمعات المحلية تضامن العائلة الروحية العالمية.
وفي هذه الرؤية الأوسع، تتحول السياحة الدينية إلى ما هو أبعد من نشاط اقتصادي أو ثقافي؛ إنها شكل من أشكال التبادل الإنساني القادر على الإسهام في الاستقرار والفهم المتبادل في منطقة كثيراً ما تُعرَّف بتعقيداتها.
ويرى دال توسو أن المبادرات التي تجمع بين التأمل اللاهوتي، والبحث الأثري، والسرد الإعلامي المسؤول يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في صياغة هذه السردية.
فمثل هذه الجهود، كما يشير، تتيح فهم الجغرافيا المقدسة ليس فقط عبر الدراسات الأكاديمية أو الممارسة التعبدية، بل أيضاً من خلال حوار ثقافي مشترك.
وفي نهاية المطاف، تكمن قيمة الحج في قدرته على تقريب الناس من التاريخ، ومن الإيمان، ومن بعضهم بعضاً.
ويختم السفير البابوي قائلاً “ولا ينبغي أن ننسى بُعداً مهماً آخر: مثل هذه اللقاءات يمكن أن تسهم في بناء نظام أكثر سلاماً في الشرق الأوسط، لأن الناس عندما يتعرفون إلى بعضهم بصورة أفضل يصبح العيش المشترك أسهل.”
كما أضاف أن حضور الحجاج والزوار إلى الأردن وإلى الأرض المقدسة يمكن أن يسهم أيضاً في تقدم الإنسانية، عبر تعميق الفهم بين الثقافات والمجتمعات.
وفي هذا المعنى، لا يقدّم المشهد المقدس في الأردن مجرد وجهة للحجاج، بل نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، بين البحث الأكاديمي والإيمان، وربما الأهم بين ثقافات تسعى معاً نحو مستقبل أكثر سلاماً.